تتكشف يومًا بعد يوم الأبعاد المروعة للكارثة التي اجتاحت مناطق واسعة من الجزائر. فمنذ أواخر يوليوز، ثم بصورة أشد خلال الموجة الأخيرة في أواخر غشت، اندلعت حرائق متزامنة في عدد من الولايات، وانتشرت النيران بسرعة هائلة، ملتهمة الغابات والممتلكات ومصادر عيش السكان، ومهددة حياة آلاف الناس. بدأت إحدى موجات الحرائق في 22 يوليوز 2026، خصوصًا في شرق البلاد، ولا سيما في بلدية سرايدي الغابية بأعالي ولاية عنابة. وجاء ذلك في سياق سلسلة من حرائق الغابات التي شهدتها الجزائر منذ الثامن من يوليوز، والتي بلغ عددها، حسب تصريحات الحماية المدنية، 1555 حريقًا. وجب التأكد من هذا الرقم.
لكن الموجة الأخطر جاءت في أواخر غشت، حين امتدت النيران إلى عدة ولايات، من بينها جيجل، وتيزي وزو، وبجاية، وسكيكدة، وعنابة، وقالمة، وبرج بوعريريج، والطارف، وسوق أهراس. كانت سرعة انتشار النيران وقوتها استثنائيتين. أحزمة من النار حاصرت السكان، وساهمت الرياح في تأجيجها ودفعها نحو مناطق جديدة. وفي مواجهة هذا الجحيم، لم يجد كثير من السكان سوى الفرار بأنفسهم وعائلاتهم بحثًا عن ملاذ آمن.
مرة أخرى، يجد الشعب نفسه في الصف الأول لمواجهة الكارثة.
واجه السكان النيران بما توفر لهم من إمكانات محدودة، وبروح تضامن جماعي لافتة، وسارعوا إلى إنقاذ بعضهم البعض وإجلاء العائلات ومساعدة المحاصرين-آت. لكن التضامن الشعبي، مهما بلغت قوته، لا يمكن أن يعوض غياب الإمكانات العمومية اللازمة لمواجهة كوارث بهذا الحجم. فالحرائق الكبرى تحتاج إلى أسطول فعال للإطفاء، ووسائل جوية وبرية، وفرق متخصصة، وأنظمة إنذار مبكر، وخطط لإجلاء السكان، وتنسيق محكم بين مختلف الإدارات. وعندما تغيب هذه الشروط، أو تكون أقل بكثير من حجم المخاطر المعروفة والمتكررة، فإن الكارثة لا تعود مجرد ظاهرة طبيعية، بل تكشف أزمة في طريقة تدبير المجتمع والموارد العمومية وأولويات السلطة.
الشعب يدفع الفاتورة.
الحصيلة البشرية والمادية ثقيلة، عكس المعطيات الرسمية المعلنة لحد الساعة بشأن أعداد الضحايا والمفقودين – آت وحجم الخسائر. وما تظهره الصور والشهادات من عين المكان يكشف حجم الدمار الذي خلفته النيران. لكن وراء الأرقام توجد حياة بشرية دُمرت، وعائلات فقدت أبناءها، وبيوت وممتلكات ومصادر رزق تحولت إلى رماد، ومجالات غابوية وزراعية تعرضت لخراب بيئي ستكون آثاره ممتدة لسنوات.
ومنذ 2021، عاشت الجزائر موجات متكررة من حرائق الغابات، خلفت قتلى وجرحى وخسائر بيئية ومادية هائلة. وفي كل مرة، تبدأ معركة أخرى: من المسؤول؟
تتحدث السلطة عن جهات خارجية ومخططات إجرامية ومنظمات تخريبية، فيما توجه المعارضة اتهامات مضادة إلى أجهزة الدولة، وتضعها في قفص الاتهام. لكن يبقى الضحية الأوضح: الشعب الجزائري الكادح، الذي يفقد أبناءه وممتلكاته ومصادر عيشه. وهو الذي يتحمل كلفة الخراب الاقتصادي والبيئي. وهو الذي يُطلب منه، مرة أخرى، أن يواجه الكارثة بإمكانياته الخاصة.
مسؤولية الدولة لا تسقط بالتذرع بالطبيعة.
هناك مسؤولية سياسية واجتماعية لا تحتاج إلى انتظار التحقيقات. مسؤولية الدولة عن حماية السكان والوقاية من الكوارث والتدخل السريع والفعال عند وقوعها. فحين تتكرر الكوارث سنة بعد أخرى، يصبح من المشروع طرح الأسئلة حول سياسات الوقاية والاستعداد، وحول حجم الإمكانات المرصودة،
وحول مدى جاهزية أجهزة التدخل والإنقاذ، وحول الأولويات التي تُصرف عليها الموارد العمومية.
إن الدولة التي تتحكم في الثروة والميزانية والموارد العمومية مطالبة بتسخيرها أولًا لحماية حياة الناس وتحسين شروط عيشهم، لا بترك المناطق المهمشة وسكانها في مواجهة مصيرهم. وإن تأكد أن الكارثة عظيمة وتفوق قدرات البلد فإن طلب الدعم العالمي، تحديد الحاجيات المتناسبة مع طبيعة وخطورة الكارثة، أمر بديهي طالما أن الهدف الأول والأخير انقاد حيوات الناس وتقليص حجم الخسائر إلى الحد الأدنى.
لا لتحويل الكارثة إلى ذريعة للقمع.
وفي الوقت نفسه، ينبغي رفض تحويل الكوارث إلى مناسبة جديدة لتوسيع القمع وتكميم الأفواه أو ملاحقة المعارضين تحت ذريعة حماية الأمن. إن كشف حقيقة أسباب الحرائق ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أيًا كان موقعه، يتطلب شفافية كاملة، وتحقيقًا مستقلًا، وحق المجتمع في معرفة الحقيقة. وينم حديث مسؤولي الدولة حول إعمال عقوبة الإعدام في حق مرتكبي الجرائم عن محاولة توظيف الغضب الشعبي لتمرير انتكاسة حقوقية تمس الحق في الحياة للجميع، خصوصا في بلدان تسجل انتهاكات لحقوق الإنسان الأولية.
لا تستقيم مكافحة الجريمة بالتعتيم، ولا تُحمى البلاد بإخفاء الحقائق.
الشعب الجزائري في حاجة إلى الحقيقة، لا إلى روايات جاهزة تُلقى عليه بعد كل كارثة. من حق أسر الضحايا أن يكون لهم قبر يؤوي فقيدهم وأن يحظى بوداع أهله، ومن حق أٍسر المفقودين-آت معرفة مساطر جمع المعلومة ومساطر البحث وآليات التشريح الطبي. من حق المعطوبين- آت والجرحى تلقى العلاج والتكفل الصحي والاجتماعي، كما من حق المناطق المتضررة إعلانها مناطق منكوبة والتعويض الحقيقي عما لحقها من أَضرار اقتصادية واجتماعية ونفسية. ومن حق الشعب الجزائري فتح تحقيق شفاف وعلني قابل للتحقق، يكون مستقلا وديمقراطيا ويخضع للرقابة الشعبية.
من التضامن الشعبي إلى القوة السياسية للشعب.
لقد أثبتت الكوارث، مرة أخرى، أن المجتمع يستطيع أن ينظم نفسه عندما تكون حياة الناس على المحك. رأينا التضامن بين السكان، ومبادرات الإنقاذ والمساعدة، وتعبئة الشباب-آت والعمال-آت والفلاحين-آت والمتطوعين-آت. هذه الطاقة الشعبية ليست هامشية. إنها جزء من القوة التي تستطيع، عندما تنتظم سياسيًا، أن تفرض تغييرًا حقيقيًا. وهنا تكمن إحدى دروس تجربة حراك فبراير 2019:
الشعب الذي استطاع أن يكسر حاجز الخوف ويخرج بالملايين إلى الشارع قادر على استعادة المبادرة متى توفرت شروط النضال والتنظيم والوحدة. لا تعاني الجزائر فقط من حرائق الغابات. إنها تقاسي من أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية وبيئية مترابطة، ولا يمكن حلها بإجراءات ظرفية أو بتغيير الواجهات وحده. إن المطلوب هو تغيير جذري يضع في الأولوية مصالح الأغلبية الكادحة ، ويجعل الثروة الوطنية والموارد الطبيعية في خدمة المجتمع، تحت رقابته الديمقراطية، بدل إخضاعها لمنطق الربح والامتيازات ومصالح الأقلية المستفيدة.
أفق مغاربي ديمقراطي وحدوي
تؤكد الأحداث المتتالية التي شهدتها منطقتنا المغاربية، سواء من خلال تدفق آلاف الشباب ومحاولات اختراق معبري سبتة ومليلية، بالتزامن مع القوارب اليومية القادمة من بلداننا، والتي تحمل شبابًا وشاباتٍ دُفعوا إلى البحث عن أفق آخر عبر الهجرة السرية، والمغامرة بحياتهم؛ أو من خلال سلسلة الحرائق التي اجتاحت مناطق واسعة من الجزائر، وما خلّفته من ضحايا وخسائر؛ أو من خلال معاناة الشعب التونسي في عدد من المناطق جراء انقطاع الماء والكهرباءفي عزّ صيف حار؛ تؤكد جميعها الحاجة الملحّة إلى بديل اقتصادي واجتماعي وسياسي. إن شعوب المنطقة المغاربية في حاجة إلى أفق وحدوي ديمقراطي، يجعل من المغرب الكبير فضاءً مشتركًا لشعوبه، قادرًا على تلبية حاجات شبابنا وشاباتنا، وحماية ثرواتنا ومواردنا، وتسخيرها لخدمة مصالح الكادحين، بدل تركها نهبًا للمصالح الخاصة والاحتكارات.
إن بناء هذا الأفق يقتضي النضال من أجل استقلال حقيقي عن التبعية للإمبريالية، وعن سياسات القوى الكبرى ومصالحها، كما يقتضي مواجهة أنظمة القهر والاستبداد، ورفض النزعات القطرية الشوفينية التي عمّقت انقسام شعوب المنطقة وأعاقت وحدتها. فالمغرب الكبير الذي نريده ليس مجرد تجميع للحدود القائمة، بل فضاءً ديمقراطيًا موحدًا، تتقارب فيه الشعوب وتتعاون، وتُوظَّف فيه الثروات والإمكانات المشتركة لصالح العمال والكادحين، ويكون فيه لشعوب المنطقة الحق في تقرير مصيرها وبناء مستقبلها بعيدًا عن الاستغلال والتبعية والاستبداد.
تحية للشعب الجزائري… ولضحايا الكارثة
نقف تضامنًا مع عائلات الضحايا، ومع كل من فقد قريبًا أو بيتًا أو مصدر رزق، ومع السكان الذين واجهوا النار بإمكاناتهم المحدودة، ومع كل فرق الإنقاذ والمتطوعين -آت الذين-اللواتي خاطروا- ن بحياتهم- هن لإنقاذ الآخرين. وفي قلب المأساة، حين يحاصر الموت القرى وتتحول الغابات إلى رماد، سيظل الشعب قادرًا على النهوض.
نيرون مات… ولم تمت الجزائر.
تحية لشعب الجزائر المكافح!
من التضامن في مواجهة النار… إلى النضال من أجل التغيير!
الشعب وحده قادر على إنقاذ نفسه وبناء الجزائر التي يستحقها!
تيار المناضل-ة
فاتح شتنبر 2026