نقترح على القارئات والقراء هذه المناظرة الفكرية المهمة بين مكسيم رودنسون وإرنست ماندل حول العلاقة بين المسألة القومية والصراع الطبقي. وتكتسي إعادة نشرها راهنية خاصة في سياق عالمي يتسم بالأزمة الدائمة للرأسمالية وتصاعد الحروب الإمبريالية، ونمو النزعات القومية اليمينية والعنصرية، وفي سياق إقليمي تطبعه حرب الإبادة والاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، وتدخل القوى الإمبريالية، وتفكك عدد من بلدان المنطقة على أسس قومية وطائفية.
وتساعد هذه المناظرة على فهم الأسس المادية والاجتماعية للمسألة القومية، والتمييز بين قومية الشعوب المضطهِدة وقومية الشعوب المضطهَدة، وبين حق هذه الأخيرة في التحرر وتقرير المصير وبين توظيف القومية لحجب التناقضات الطبقية أو تبرير الاستبداد. كما تطرح ضرورة وصل النضال من أجل التحرر القومي بالنضال الاجتماعي والطبقي، في أفق تحرر شعبي شامل من الاستعمار والإمبريالية والاستغلال والاستبداد.
المناظرة تُرجمت الى العربية ونُشرت بمجلة “دراسات عربية” عدد 8 يونيو 1973.
المناضلة الاشتراكية
في آذار من عام ١٩٧١ عقدت مناظرة بالغة الأهمية في جامعة بروكسل الحرة حول ما يعرف باسم أزمة الشرق الأوسط ودور النزعة القومية والصراع الطبقي فيها . وكان الوجهان البارزان في المناظرة مكسيم رودنسون وارنست ماندل .
م . رودنسون من مواليد باريس ٠ ١٩١٥ عالم اجتماع ومستشرق . مدير الدروس في المعهد التطبيقي للدراسات العليا .
أشهر مؤلفاته “الإسلام والرأسمالية” (١٩٦٦) ، وقد نشرته دار الطليعة . و”محمد” ( ١٩٦٨ ). و”إسرائيل والرفض العربي” ( ١٩٦٨ ) . و “الماركسية والعالم الإسلامي” ( ١٩٧٢ ) .
إ . ماندل من مواليد ١٩٢٣. أتم دراسته في جامعة بروكسل الحرة وفي المعهد التطبيقي للدراسات العليا بباريس حيث حصل على شهادة الدبلوم . انخرط في صفوف المقاومة منذ آب ١٩٤٠ أوقف ثلاث مرات وتمكن من الهرب مرتين وحكم بالأشغال الشاقة . بعد الحرب عمل في الصحافة . منذ ١٩٥٦ ، رئيس لتحرير المجلة الأسبوعية “اليسار ” الناطقة بلسان “رابطة الماركسيين – اللينيين” في بلجيكا ، عضو في الأمانة العامة الموحدة للأممية الرابعة . من مؤلفاته الرئيسية :
“النظرية الاقتصادية الماركسية” وقد صدر حديثا عن دار الحقيقة ، “تكون فكر كارل ماركس الاقتصادي” . “الرد الاشتراكي على التحدي الأميركي” (صادر في دمشق ) ، “الرقابة العمالية ، المجالس العمالية ، التسيير الذاتي العمالي” ( نصوص مختارة ) “حول الحزب اللينيني” ( صادر عن دار الطليعة ) .
وقد شارك في المناظرة مفكرون وصحفيون ومستمعون سيأتي ذكر أسمائهم وآرائهم في الهوامش .
مكسيم رودنسون :
لقد طلب مني أن أتحدث هذا المساء عن العلاقات بين الصراعات الطبقية والصراعات القومية . وهو موضوع عالجه الماركسيون وسواهم . لكنني سأنطلق من ماركس لأنه هو الذي طرح بأوضح ما يكون عددا من المسائل المتعلقة بهذه القضية . إن الاعتقاد الشائع هو أن ماركس اخترع نظرية صراع الطبقات كعامل مهم في التطور الاجتماعي . ويدرك كل الماركسيين المطلعين أن هذا الاعتقاد لا أساس له من الصحة . فماركس نفسه صرح بذلك وردده بأوضح ما يكون . فقد أشار إلى أن العديد من المنظرين قد تحدثوا عن الصراع الطبقي قبله بكثير وخاصة كبار المؤرخين في زمن إعادة الملكية إلى فرنسا ومنهم اوغستين تييري الذي سبق وأبرز الصراع الطبقي ، وهو أي ماركس لم يكتشف شيئا في هذا الموضوع . كان المجتمع الأوروبي غداة ١٧٨٩ يفكر بشكل عفوي وفقا لمنطلقات الصراع الطبقي .
إن الجديد الذي قدمه ماركس هو أولا : أن الصراع الطبقي سيستمر بعد انتصار البرجوازية ، في وقت كان المجتمع البرجوازي المنتصر قد تعود على الاعتقاد أن ذلك ظاهرة من الماضي . ثانيا : أضاف ماركس أن الصراع الطبقي بذاته ظاهرة تقدم . ثالثا : إن صراع الطبقات الذي كان يدور في المجتمع البرجوازي سيفضي إلى مجتمع بلا طبقات وهذا ما كان يعتبره إحدى مساهماته الرئيسية. من هنا كان التشديد على صراع الطبقات في أوروبا ١٨٤٠ ، الذي أدى إلى تلك الصيغة الغنائية في “البيان الشيوعي” عام ١٨٤٧ وهي أن كل تاريخ البشرية حتى اليوم ليس سوى تاريخ لصراع الطبقات .
أود أن أتوقف قليلا عند هذه الصيغة . يجب التساؤل فعلا عما كان يمكن أن تعنيه بالنسبة لماركس ، لان ماركس كان يعلم جيدا انه لو أخذنا التاريخ بمفهومه الشائع، فانه قد عرف أشياء كثيرة غير الصراعات الطبقية وبشكل خاص صراعات قومية وصراعات أجناس وعشائر .. وهذه كلها لم تكن صراعات طبقية ، على الأقل للنظرة الأولى . انه حتما يريد أن يقول ، إذا فسرناه حسب مقاييسه الفكرية آنئذ وما دام قد تبنى فلسفة للتاريخ متفائلة ، تقدمية وتطورية (إلى حد ما ثورية كذلك) إن صراع الطبقات هو العامل الذي يصنع المسيرة المتقدمة للإنسانية نحو أشكال اشد فاعلية في علاقات الإنتاج . ونحو زيادة الإنتاجية الإنسانية والإنتاج مع كل النتائج الثقافية والاجتماعية المترتبة على ذلك .
ولقد حارب ماركس في الوقت ذاته الفكرة القائلة أن الصراع الطبقي هو ظاهرة انتقالية ، وظاهرة من الماضي (وهي فكرة شائعة في المجتمع البرجوازي في عصره) وانه ظاهرة مشؤومة يجب محاربتها . باختصار ، يجب أن نعرف أن المجتمع البرجوازي الذي صنع ثورة ١٧٨٩ كان يعتقد يوم ذاك انه توصل إلى مجتمع لا طبقي . الجميع كانوا يدركون انه يوجد أغنياء وفقراء – ربما بغير تعابير ماركس : رأسماليين وبروليتاريين – والجميع كانوا يعتقدون أن هذه الفوارق لم تكن ملائمة وان كل شيء سيصلح مع ذلك بتقدم الإنتاج والتقنية والتعليم وانه لن تكون هناك مرحلة نوعية جديدة ولا حاجة لثورة أخرى طالما أننا دخلنا في عالم المجتمع بلا طبقات .
ومجمل القول ، انه عين وعي الذات الذي يسود المجتمع السوفياتي في أيامنا . صحيح أن هناك من الفوارق والتفاوتات ما لا يغيب عن أنظار أي إنسان، لكن الاعتقاد السائد هو أنها غير جوهرية . كذلك كانت الحال في الإمبراطورية العباسية الإسلامية : فبالرغم من أن الفوارق فيها كانت حادة لوجود فئة غنية متسلطة من جهة وعبيد أو أناس كانوا يعيشون في بؤس مدقع من جهة أخرى ، كانت تلك الفوارق تعتبر غير جوهرية نظرا إلى أن شريعة الله كانت متساوية بالنسبة إلى الجميع ونظرا إلى أنها ستنتج ، ولا بد ، في يوم أو في أخر ، مفاعيلها الخيرة .
ولقد حارب ماركس الفكرة الزاعمة انه في هذا المجتمع المؤسس على أسس عادلة يكون السعي وراء المصلحة العامة هو المسيطر . وحارب كذلك السذاجة البرجوازية التي أطلقتها الإيديولوجية البرجوازية والتي مفادها انه طالما للشعب ممثلون منتخبون في البرلمان بالاقتراع العام ، ومن أصحاب الإرادات الخيرة ، فان هذه الإرادة الخيرة تكفي لتغليب المصلحة العامة . وقف ماركس بوجه هذه السذاجة فاضحا إياها ، مبينا أن المسألة ليست مسألة إرادات صالحة ، أنما المسألة هي وجود طبقات ذات مصالح متناقضة ، ممثلة أو غير ممثلة في إدارة المجتمع . وما أشبه ذلك بالعمل المطلوب عن السعي إلى نزع الأفكار الصوفية في المجتمعات حيث يسود الاعتقاد بان الإرادة العامة يمكن أن تتغلب بشكل طبيعي ودون صراعات داخلية .
لقد تمسك أتباع ماركس بصيغته من أجل الوصول إلى استنتاجات أعتبرها مفرطة ، ومن قبيل ذلك الأطروحات التالية : أن الصراعات القومية هي دائما وفي أي مكان ظاهرات عارضة وأقنعة للصراع الطبقي . هذه الفكرة غدت شائعة جدا في الماركسية المبتذلة ، الرائجة يومئذ ، إذ درجت العادة على اعتبار الصراع القومي مجرد ألهية تلهى بها الطبقات صاحبة الامتيازات الجماهير عن صراع الطبقات . ولقد تم التوصل بعد حرب ١٩١٨ – ١٩١٤ إلى تفسير هذه الحرب بالطابع الشرير للرأسمالية وحسب ، وعليه يكون الدواء أنه بإزالة الرأسمالية تزول الحروب . وقد أهمل هذا التفسير اليوم لأن الأجيال الثورية المعاصرة لا تعير الآنتباه كثيرا للخسائر في الأرواح البشرية . لكن الخوف من الحروب بالمقابل هو الذي دفع الكثيرين نحو الماركسية في حدود سنة١٩٢٠ . لم يكن السبب احتمال حدوث تحسن اجتماعي بقدر ما كان الإقتناع الحاصل بأنه سيتم الدخول إلى عالم بلا حروب بفضل إزالة الرأسمالية .
فالصراعات القومية من هذا المنظار تغدو ظاهرات محض إيديولوجية ، غير مرتكزة إلى أي شيء ملموس ، وتشويهات ، ولا تقابلها ، كالصراعات الطبقية ، شبكة من المصالح والتطلعات المنبثقة عن وضع الناس ضمن علاقات الإنتاج. باختصار ، لا يمكن أن تكون هناك من هذا المنظار مصالح أو تطلعات حقيقية قد تسبب التعارض بين أبناء الطبقة الواحدة في أمم متعددة ، على الأقل بالنسبة للطبقة المسحوقة . فبالنسبة للطبقة المسيطرة تقبل هذه الماركسية بنسب متفاوتة بوجود مصالح مختلفة . أما فيما يتعلق بالطبقة المضطهدة وبشكل خاص الطبقة العاملة فلا يمكن أن تقوم مصالح متعارضة . فأي موقف معارض لطبقة عاملة بعينها هو موقف معارض لكل الطبقات العمالية الخ ويبدو غير مقبول أن يقدم أناس متحررون من الإضطهاد الرأسمالي على التصارع فيما بينهم . ومن هنا كان الجهد المستمر من قبل المقتنعين بهذه الموضوعات لتحويل التفسخ الإثني والقومي إلى تفسخ طبقي .
لقد أُخذ علي أنني انتقدت في مقدمة كتاب أبراهام ليون “التصور المادي للمسألة اليهودية” ، هذا المؤلف الذي اعترف بقيمته الكبيرة على صعيد معين والى درجة معينة ، أُخذ علي أنني انتقدت رغبة الكاتب في تحويل التاريخ اليهودي إلى مسألة صراع طبقي بواسطة نظرية الشعب – الطبقة مثلما انتقدت مسلمته المشهورة التي يرى أن أي حل على مستوى الطبقات سيحل المشاكل القومية وفي ذلك أمر اسمح لنفسي بأ لا أصدقه تماما وأشير هنا إلى المسألة الفلسطينية – الإسرائيلية .
انتقل الآن إلى تقييم نقدي لهذه الأطروحات . اعتقد أن مفهوم ماركس حول الأهمية الكبرى للصراعات الطبقية في التاريخ مكتسب نهائي في علم السيرورات الإجتماعية أو علم الإجتماع . لكنه ليس أكيدا أبدا ، من جهة ثانية، أن الصراع الطبقي يفضي دائما إلى تطور . هذه مقولة طورت في الماركسية الأكثر إيديولوجية ، وخاصة في الماركسية الستالينية .
لقد قرأت منذ بضعة أيام جواب كتبه ماركس عام ١٨٧٧ رداً على أحد أتباعه ويدعى ميخائيلوفسكي الذي كان قد كتب مقالة (( ماركسية جدا )) وعمم الأطروحات الماركسية لتطبيقها على تطور روسيا . ولقد صدم ماركس كثيرا بهذه المقالة التي ظهرت في مجلة روسية وكتب رسالة إلى الناشر ، لكن الرسالة لم ترسل إليه بل نشرها أنجلس بعد موته . وجاء فيها أن ميخائيلوفسكي يريد تطبيق “نظرية فلسفية تاريخية” على كل الأوضاع وليس هذا ما قصد ماركس القيام به .
ويعطي ماركس مثلا على أنه ، نتيجة للصراعات الطبقية في المجتمع الروماني، تواجدت في نهاية الجمهورية الرومانية الجماهير الحرة المقدر لها في ظروف أخرى أن تتحول إلى بروليتاريا مأجورة من جهة ، كما تواجدت الرساميل الكبرى من جهة أخرى . هذه هي بالضبط الفرضيات التي أشار إليها ماركس في الرأسمال على أنها من أساس انطلاق المجتمع الرأسمالي . وهذا ما حصل في أوروبا خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر ولكن ليس في روما أبدا . فالبروليتاريون المشار إليهم أصبحوا جماعة مرتشية تقدم لهم العاب السيرك والخبز فيكتفون بها في حين أن الأغنياء كانوا يصرفون ثرواتهم على أمور أخرى ليست شراء قوة العمل بواسطة الأجور ولا إطلاق المؤسسات الرأسمالية المنتجة .
ولا يمكن البرهنة كذلك على أن المجتمع الإقطاعي – على افتراض انه أكثر تقدما من المجتمع العبودية وهو ما يحتاج إلى إثبات – هو حصيلة الصراع الطبقي في العصور القديمة . إذن ليس مؤكدا أن الصراع الطبقي يؤدي دائما إلى تقدم .
لكن من جهة أخرى يمكن التأكيد بأنه ظاهرة ثابتة لا تكفي إدانتها كما كان شائعا في المؤسسات الإيديولوجية البرجوازية كالكنيسة التي ظلت تعتقد خلال سنين طويلة انه يكفي أن تعلن أن « الصراع شر عظيم والتفاهم أفضل بكثير ) حتى يتوقف الصراع الطبقي . إن ماركس هو المحق هنا بكل تأكيد ، إذ أن تقنيع ظاهرة الصراع الطبقي هو إستراتيجية من استراتيجيات هذا الصراع عينه .
انه لفي حكم المؤكد – كما كان ماركس يرى وكما بتنا نعي ذلك جميعا – أن المجتمع البورجوازي لا يشهد نهاية الصراعات الطبقية ، وان المصلحة العامة ليست هي السائدة فيه . وسأضيف أن ماركس ، الملبد الذهن بالايدولوجيا بالرغم من عبقريته ، ما كان يرى أن المجتمع الذي يجري فيه تدويل الاقتصاد لن يشهد هو الآخر نهاية للصراع الطبقي . قد لا يكون العديد بينكم موافقا ولكن هذا هو رأيي . اعتقادي إذن أن أفكار ماركس هي مكتسب دائم لعلم الاجتماع ولكن من المناسب توسيعها حسب توجيهاته الخاصة ، وميثودلوجيته العامة .
لو تفحصنا كيف يجري الصراع الطبقي في الواقع تحت أبصارنا ، نراه ينمو في رحم وحدات مختلفة : الأمم ، الدول ، الخ . طبيعي أن هناك توازيا بين الصراعات كما في أوروبا المعاصرة ولكن في أماكن أخرى ليس ذلك مؤكدا، وفي عصور أخرى كان مؤكدا بشكل أقل . كان هناك توازيات ، واتصالات وأمميات وقد وجد منها الكثير قبل الأممية الأولى لعام ١٨٦٧ وإن في شكل أكثر فجاجة . لكن هناك كذلك صراعات بين هذه الوحدات الإثنية والقومية في التاريخ . هذا أمر أكيد تماما ولا يمكن رد هذه الصراعات إلى الصراع الطبقي .
وكما أنه لا يوجد انسجام مسبق بين الطبقات ، كذاك فانه ، على ما أعتقد ، غير موجود بين الوحدات الإثنية ، والوحدات الإثنية – القومية والقوميات والأمم الخ . وحتى الآن لا اعتقد أنه قامت على صعيد عقلي ووفقا لمتطلبات الإثبات العلمي ، أسباب ترغم على الإعتقاد بان كل صراع خارجي مثلا مرتبط بالصراعات الداخلية ، ولم تعط كذلك مبررات كافية للإقتناع بان إزالة الصراعات الداخلية – على افتراض أن ذلك ممكن كما يعتقد الكثيرون بينكم – يجب أن تؤدي إلى إلغاء الصراعات الخارجية . بل أميل للإعتقاد بأن لدينا مؤشرات على العكس .
ليس هناك مبررات تجبر على الإعتقاد بأنه لا وجود لأساس مادي ، أي ليس محض إيديولوجي ، لصراعات الأمم والتشكيلات الإثنية – القومية . بل بالعكس، فكل شيء يحمل على الإعتقاد بان الصراع – الذي اعتبره أزليا – من أجل الإشراف على الأملاك والأشخاص يجري ليس فقط عاموديا أي بين طبقات وفئات في رحم الأمة الواحدة ، أو الإثنية الواحدة أو القومية الواحدة ، ولكنه يدور أفقيا أيضا بين كيانات أثنية – قومية إجمالية.
من الطبيعي أن هناك علائق بين هذين النوعين من الصراع . ومن الصحيح، مثلا ، أن تحديد حدود هذه الوحدات مرتبط جزئيا بالمستوى الذي بلغه الإنتاج. فما أن يبلغ الإنتاج مستوى معينا – والإنتاج مرتبط جزئيا بتركيبة الطبقات – حتى تتولد وحدات أوسع نطاقا بكثير مما كان سابقا ، تتولد قوميات أو أعراق، أو أمم مكان القبائل والعشائر مثلاً .
ومن الصحيح كذلك أن العلاقة ليست أحادية الجانب . اعتقد أن الانقسام إلى طبقات يرتبط كذلك بحجم الوحدات وأنها تتولد أحيانا عن الصراع بين هذه الوحدات . وهذا ما كان قد أوضحه أنجلس في “انتي دهرنغ” عندما حاول التدليل على طريقين في ما قبل تاريخ تكون الطبقات ، واحدة بالأوضاع الوظيفية التي كانت تتحول إلى أوضاع مميزة ، والطريق الأخرى هي ببساطه طريق الحرب والغزو حين كانت إحدى القبائل أو الاثنيات تغزو أخرى فتصبح هي الطبقة العليا داخل امة جديدة . وهذا ما هو حاصل في رواندا – بوروندي حيث هناك انقسام عرقي واجتماعي في آن واحد .
أحيانا يتغلب الصراع الداخلي فيلحق به الصراع الخارجي ، وقد لوحظ ذلك في حالات عدة قديما وحديثا ( هذا حال المدن اليونانية حيث كانت الارستقراطية “تخون” المدينة حبا بالعدو حين يكون هذا العدو ارستقراطياً )، وأحياناً أخرى يسكت الصراع الخارجي كل التناقضات الداخلية . كل هذا مرهون بالوضع الداخلي والخارجي، إن من وجهة نظر البنية أو من وجهة نظر الظروف . وعلى كل حال ، فان الدعوة للوحدة القومية لها في أحيان كثيرة مفعول جبار .
إنني أعارض تماما النظرية الرائجة هذه الأيام والتي تمجد النزعة القومية في العالم الثالث باعتبارها القوة الرئيسية ، تلك النظرية التي أطلق عليها أحيانا اسم Nationalitarisme قومانية . فلو اقتصر الحديث على هيمنة الصراع القومي في مرحلة النضال من اجل الاستقلال في العالم الثالث ، فان ذلك مقبول تماما . لكن هذه النظرية تستبعد أيضا عوامل الصراع الداخلي وتوسع هذه المرحلة حتى ما بعد الاستقلال في أطار عمل مشترك يسمى إعمارا وطنيا ، وهو ما لا يمكن قبوله إلا جزئياً كما اعتقد . هنالك تقديس لهذا الإتجاه حتى أمسى هناك من يعتقد بأن قومية الضعفاء ، قومية العالم الثالث ، لا يمكن أن تصبح يوما ظالمة بدورها . وهو ما لا أصدقه . بل إن هناك من يقول بأنه لن تكون هناك مشاكل داخلية على الأقل لفترة طويلة ، أثناء مرحلة الإعمار الوطني .
وهكذا ، فانا من جهة ضد هذه النزعة القومية أو هذه القومانية التي تتحدث دائما وفي كل المجالات وكل الحالات عن هيمنة النضال القومي ،لكنني أعارض كذلك تحويل كل صراع اجتماعي وكل صراع بين المجتمعات إلى صراع طبقات .
ارنست ماندل:
١ _ ملاحظات تمهيدية :
أود أولا أن أسجل بعض الملاحظات الموجزة حول بعض المواضيع التي أثارها مكسيم رودنسون في مداخلته . أظن أولاً أن التأكيد على أن الصراع الطبقي لا يفسر كل التاريخ غير مقنع كثيرا حين نضع أنفسنا في مستوى عام جدا وتجريدي جدا كالذي وضع فيه مكسيم رودنسون نفسه . حين يؤكد انه في بعض الأحيان تسيطر العوامل الخارجية ، والعوامل الداخلية في أحيان أخرى، فانه لا يقدم بذلك جواباً بل سؤالاً . فهذه الصيغة تثير بالفعل التساؤل التالي:
لماذا تسيطر العوامل الخارجية في بعض المرات ؟ هل يتم ذلك تبعاً لمصالح ، وان نعم ، فما هي هذه المصالح ؟ أم أنها تسيطر وفقا لاستلابات إيديولوجية حيث أن بعض الطبقات الاجتماعية غير واعية لمصالحها وقد منعت من أن تكون واعية ؟ ولكن ما هي أسس هذه الإستلابات ؟ كل هذه الأسئلة التي تؤدي إليها ملاحظة مكسيم رودنسون هي أسئلة تعيدنا إلى صميم الصراع الطبقي .
إن صراع الطبقات محاولة لتفسير التاريخ . وكل المحاولات الأخرى تنتهي إلى علامات استفهام ترجعنا إلى الصراع الطبقي . يمكن أن أورد أمثله عديدة في نفس اتجاه الأمثلة التي أشار إليها مكسيم رودنسون. ولا حاجة بنا حتى للعودة إلى روما القديمة . فقد أمكن ملاحظة انحراف ماثل في تاريخ ألمانيا الشرقية في القرن السادس عشر . إن تحويل الريع العقاري إلى ريع نقدي شكل قوة كبيرة محررة لفلاحي أوربا الغربية حيث عجلت بمجيء مجتمع رأسمالي . أما في أوروبا الشرقية وخاصة في ألمانيا الشرقية فقد أعطت الظاهرة ذاتها مفعولا معاكسا تماما ، إذ أدت إلى إعادة إدخال القنانة التي توطدت ، وهذا ما لا يجب أن ننساه ، حتى مطلع القرن التاسع عشر . حين نتساءل عن أسباب الانضباط الشديد عند البروسيين ، يجب أن نبحث عن الإجابة – على الأقل جزئيا – في كون غالبية السكان في هذا الجزء من ألمانيا ظلوا أقنانا حتى ١٨٠٧ إي حوالي ٤٠٠ سنة بعد زوال أو شبه زوال القنانة في مناطقنا .
لكن هل نزيل بقولنا هذا الصراع الطبقي من التحليل ؟ بالتأكيد لا . يجب أن نفسر ما حصل في ألمانيا الشرقية وأوروبا الشرقية بمسار للصراع الطبقي يختلف عن ذاك الذي عرفناه في أوروبا الغربية وبتعبير أدق بمخرج أخر لهذا الصراع . هذا التطور في ألمانيا الشرقية هو نتيجة لتعزز الأرستقراطية العقارية ، وهذا عائد إلى هزيمة الفلاحين في حرب الفلاحين، والى إضعاف البرجوازية المدينية بتحويل مسار التبادل التجاري أو إلى حرب الثلاثين سنة الخ .. هكذا يعيدنا تطور لم يكن مستقيما إلى تحليل هو بالذات تحليل الصراع الطبقي .
ملاحظة أخرى أرد بها على تأكيد لمكسيم رودنسون يبدو لي غير مبرر . لقد زعم أن ماركس قال أنه في المجتمعات ذات “الإقتصاد المدول” ( أريد أن اعرف أين استعمل ماركس هده الصيغة ) ، لن يعود هناك صراع بين الطبقات. لقد قال ماركس شيئا آخر تماما . قال أنه لن تعود هناك طبقات اجتماعية وبالتالي صراع طبقي في اقتصاد تكون فيه وسائل الإنتاج فيه ملكا للمنتجين مجتمعين ولا يوجد فيه إنتاج سلعي ، وهذا يكاد أن يكون تحصيل حاصل .
لم يقل ماركس قط انه يكفي أن تمتلك الدولة وسائل الإنتاج ليزول الصراع الطبقي : إذ لم يكن يجهل أن وجود الدولة بالذات دليل على وجود الطبقات ، ووجود الطبقات يحتم أن يستمر الصراع الطبقي . فحين يتحدث ماركس عن زوال صراع الطبقات ينطلق إذن من سياق آخر ومن أوضاع أخرى مغايرة للأوضاع التي نعرفها حاليا في الاتحاد السوفياتي أو في أوروبا الشرقية .
٢ – الظاهرة القومية والصراع الطبقي :
لنعد الآن لموضوعنا هذا المساء : العلاقات بين الظاهرة القومية والصراع الطبقي .
الملاحظة الأولى : الظاهرة القومية ولدت من الصراع الطبقي .
وانه من العسف أن نخلط بين وجود الدولة أو التشكيلة العرقية أو تجمعات القبائل أو الكومونات أو المدن وبين الظاهرة القومية . فالإمبراطورية الرومانية لم تكن ظاهرة قومية ، ومثلها إمبراطورية القرون الوسطى . انكلترا لم تكن امة في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر وهذا لان قسما كبيرا من الطبقة المسيطرة كان لا يزال يتكلم لغة تختلف عن لغة الشعب وكان من أصل آخر : النورمانديين الذين كان قد غزوا انكلترا .
وبالمقابل تنص الأطروحة الماركسية على أن الأمة هي نتاج صراع طبقة محددة هي البرجوازية الحديثة . فهذه هي الطبقة الأولى في التاريخ التي خلقت القومية . أوجدتها اقتصاديا لحاجتها إلى سوق قومية موحدة . مازالت كل الحواجز الما قبل – الرأسمالية والشبه إقطاعية والتعاونية والإقليمية من اجل تبادل حر للبضائع بغية تأمين وحدة هذه السوق القومية . وأوجدتها كذلك من وجهة نظر سياسية – ثقافية لأنها تستند إلى مبدأ السيادة الشعبية المناقض لشرعية الملكية ، أو النبلاء أو الكنيسة من اجل تعبئة الجماهير الشعبية لمواجهة الطبقات القديمة المسيطرة .
لقد ولدت الفكرة القومية مع الثورات الديمقراطية البرجوازية الكبرى . ولدت في مناطقنا ( يمكن أن يكون ذلك موضوع افتخار وقد لا يكون حسب الآراء ) لأن أول ثورة برجوازية كبرى هي ثورة البلدان الواطئة المتمثلة في الإنتفاضة القومية ضد ملك اسبانيا التي ابتدأت في فلاندرا وهزمت فيها وانتصرت في هولاندا لتنشأ عنها أول أمة حديثة ذات وعي قومي على أساس بنية تحتية رأسمالية .
ثم عرفت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأميركية الولادة ذاتها ، كذلك عرفتها فرنسا مع الثورة الفرنسية ، واسبانيا ، وايطاليا ، وبولونيا ، وايرلندا الخ . وفي كل هذه التطورات كانت المصالح المادية القائمة وراء الفكرة القومية واضحة يصعب إخفاؤها .
في هذه الفترة من التاريخ التي تكون فيها البرجوازية ثورية وتقدمية فإنها لا تسعى إلى مصلحتها بشكل موارب ، بل تعلن أهدافها بكثير من الفجاجة : فلو قرأتم تصريحات الجيرونديين _ الذين كانوا الحزب الأكثر برجوازية وقومية في الثورة الفرنسية ، وكانوا قوميين أكثر بكثير من اليعاقبة لأنهم هم الذين دفعوا باتجاه مواصلة الحرب وليس اليعاقبة – لرأيتم هذا الترابط بين العوامل التي تحدثت عنها والتي يضاف إليها ( لأننا في سنة ١٧٩٠ في عصر أكثر تقدما من البلاد الواطئة في القرن السادس عشر أو الولايات المتحدة في سنة ١٧٧٦ ) سبب ثالث : منافسة تجارية تتعارض بسببها البورجوازية الصناعية – المانيفاكتورية الفرنسية مع البرجوازية الإنكليزية. وحسب رأي المؤرخين الحاليين للثورة ، وخاصة مدرسة لوفيفر ، لعبت هذه المنافسة دورا اكبر بكثير من حروب الثورة والإمبراطورية . فهذه الحروب لم تكن مجرد صراع بين البرجوازية الفرنسية من جهة والدول الأوروبية الأخرى التي كانت تناهض الثورة بدرجات متفاوتة والتي تدخلت دفاعا عن امتيازات النبلاء والملكية في فرنسا .
لقد ولدت الأمة من صراع طبقي خاص هو صراع البرجوازية ضد الاقطاع والقوى شبه الاقطاعية الماقبل الرأسمالية . وهنا يجب أن أوضح (لكن لن يتسنى لي الوقت لذلك) الدور الذي لعبته الملكية المطلقة دور ما قبل القومية prénationalisme (في المثال الفرنسي الأمر شديد الوضوح: فليست القومية بالمفهوم الحديث للكلمة هي ما يجسده شخص مثل لويس الرابع عشر إنما مرحلة سابقة للقومية ، مرحلة سلالية ، وذلك بقدر ما تمثل الملكية المطلقة تغييرا في موازين القوى بين النبلاء والبرجوازية ) .
ماذا يحصل حين تنتصر الدولة والثورة البرجوازيتان؟ بالتأكيد لا يتوقف الصراع الطبقي . البرجوازية تريده أن يتوقف عند هذا الحد. الكل يعلن أنه يجب أن يتوقف . لكنه لا يتوقف. فطالما أن الصراع مستمر بعد انتصار البرجوازية، فان صراع الطبقات المنهزمة ينتقل إلى ميدان البنية الفوقية. أذكر الرفاق الماويين الأعزاء بذلك لأن عليهم أن يفسروا لنا لماذا استمرت الإيديولوجية شبه الإقطاعية طيلة القرن التاسع عشر ولم يؤد ذلك إلى إعادة النظام الإقطاعي إلى البلدان التي بقيت فيها هذه الإيديولوجية قوية جدا. ( إنني أفكر خصوصا بفرنسا حيث الإيديولوجية السائدة هي الإيديولوجية الكاثوليكية، الما قبل الرأسمالية و الما قبل البرجوازية، وشبه الإقطاعية التي كانت تدين الثورة الفرنسية حتى في السنوات ١٨٨٠ والتي بقيت ، طيلة مرحلة بكاملها ، إيديولوجية أكثرية الطبقات غير العمالية ).
وكما أن استمرار الإيديولوجية شبه الإقطاعية لم يسمح بإعادة النظام القديم في القرن التاسع عشر ، فاني اعتقد أن استمرار الإيديولوجية البرجوازية أو البرجوازية الصغيرة بعد قلب الرأسمالية لا يمكنه لوحده أن يفسر خطر عودة الرأسمالية ، فلكي يبرز هذا الخطر فعلا ، يجب أن تكون هناك مصالح مادية وقوى اجتماعية على قدر كاف من القوة منخرطة في الصراع لمصلحة هذه العودة ، وليس فقط بقايا إيديولوجية وسياسية أو سواها في عالم البنية الفوقية كما يرى ذلك إن لم يكن ماو تسي تونغ ( فهو أكثر حذرا حول هذا الموضوع ) ، فعلى الأقل عدد لا بأس به من أتباعه أو من الذين يرجعون إليه .
هنالك إذن نقل للصراع مع القوى الما قبل الرأسمالية إلى صعيد البنية الفوقية . وهناك أيضا في الوقت ذاته نقل لمركز الثقل في الصراع الطبقي باتجاه الصراع بين البرجوازيين والبروليتاريين . في هذا الوقت بالذات كتب ماركس منذ ١٨٤٧ – بشكل باكر جدا ويمكن أن نقول سابق لأوانه حسب مخططه التاريخي الخاص الذي سأعود اليه بعد حين – انه ليس للبروليتاريين وطن، وهذا معناه أن النزعة القومية أو الفكرة القومية يجب ألا يكون لها ، في فكر تنظيم عمالي ، الأسبقية على التضامن الأممي للشغيلة .
لقد قلت “سابق لأوانه” لأن “البيان” يعلن مبدأ تاريخيا يمثل بالواقع استباقاً لم يكن يتطابق بعد والواقع الراهن . وهذا صحيح لدرجة أنه بعد. سنة من كتابة “البيان الشيوعي” لا أكثر ، انخرط ماركس وانجلس نفسهما، بنضال طبقي في ألمانيا هو في الوقت نفسه نضال قومي. وقد أعلنا أن النضال من أجل وحدة ألمانيا ولخلق جمهورية ألمانية واحدة لا تتجزأ ، هو أحد أهداف ثورة ١٨٤٨ الرئيسية . وكان رأيهما أن توحيد ألمانيا هذا يمثل من وجهة نظر اقتصادية واجتماعية وثقافية ، وخصوصا من منظور إمكانية انطلاق الحركة العمالية والصراع الطبقي ، خطوة جبارة إلى الإمام .
إنكم تعرفون الأسباب التي جعلت ثورة ١٨٤٨ تخفق ، تلك الثورة التي كانت وظيفتها التاريخية أن تنجز المهام التاريخية للثورة الديمقراطية البرجوازية في خمسة بلدان أوروبية هي ألمانيا ، ايطاليا، النمسا ، هنغاريا وبولونيا (وهي القوميات التي كانت مدمجة في الإمبراطورية النمساوية -الهنغارية والتي كانت تمتد أيضا إلى جزء من الإمبراطورية القيصرية الروسية ) .
إن المنتصرين في معارك ١٨٤٩ – ١٨٤٨ من مناهضي الثورة هم الذين أرغموا على تنفيذ هذه الثورة . إن بسمارك ، مجسد الأرستقراطية البروسية ، هو الذي حقق وحدة ألمانيا وليست البرجوازية، أو البرجوازية الصغيرة أو الطبقة العاملة . ونلاحظ الظاهرة ذاتها تقريبا في ايطاليا حيث تحققت وحدة البلاد على أيدي ال سافوا .
لقد اضطر ماركس في هذه الفترة لاتخاذ موقف عملي يختلف قليلاً عن المبدأ العام المعلن عنه في “البيان” في الحقيقة ، إن مبدأ “ليس للعمال وطن” لا ينطبق إلا على الفترة التي تكون فيها الثورة البرجوازية قد أنجزت . وقد واجه عالم ١٨٤٨ كلا من ماركس وانجلس بوضع تطور مركب . وبعبارة أخرى في جميع بلدان أوروبا التي لم تتحقق فيها الوحدة القومية على يدي البرجوازية لأنها جاءت متأخرة أكثر من اللزوم إلى مسرح التاريخ ، في وقت كانت الطبقة العاملة فيه قوية بما فيه الكفاية للعب دور سياسي مستقل، وفي زمن كان فيه خوف البرجوازية من تعزيز العملية الثورية أعظم من رغبتها في تحقيق مهمة الوحدة القومية في هذه البلدان جميعها أصبحت عملية ثورة دائمة مدرجة على جدول الأعمال .
وفي الأصل ، استعمل ماركس في هذه الفترة بالذات وضمن هذا السياق المحدد في عام ١٨٥٠ ، وللمرة الأولى في تاريخ الفكر الماركسي ، صيغة الثورة الدائمة . فعلى عمال ألمانيا ، كما يقول ، أن يباشروا بدعم النضال من اجل توحيد البلاد والظفر بجمهورية برجوازية ديمقراطية . لكن عليهم ألا يتخلوا عن النضال حين يصبح الفوز الكلاسيكي بهذه الديمقراطية البرجوازية أمراً مكتسباً . عليهم مواصلة النضال بالدفاع عن مصالحهم الطبقية الخاصة ضد البرجوازية ، وألا يتخلوا في أي لحظة عن تنظيمهم المستقل . هذا ولا سيما أنه من غير المحتمل إن لم يكن مستحيلاً ، أن تنجز هذه المهام بقيادة البرجوازية . ومن الأرجح بكثير أن البرجوازية الصغيرة اليعقوبية ، وسيفها في ظهر الطبقة العاملة ، هي التي ستحقق تلك الوحدة القومية .
هذا ما كانه المخطط الممكن لثورة ١٨٤٨ وهو لم يتحقق . وقد دفعنا ثمناً باهظاً لفشله لأن كل ما جيشته ألمانيا بسبب ذلك من قوى محافظة ورجعية قد أثر في مصير أوروبا بما فيه مصير الإمبريالية الألمانية وولادة النازية .
الملاحظة الثالثة : إذا كانت القومية نتاجا لصراع الطبقة البرجوازية ضد القوى الإقطاعية وشبه الإقطاعية ، فالأممية البروليتارية هي نتاج لصراع طبقة البروليتاريا ضد الرأسمالية . فالبرجوازية تطور قوى الإنتاج على أساس الأسواق القومية الموحدة ، وبضائعها تغزو وتكون السوق العالمية . لكن هذه السوق بعيدة عن أن تكون موحدة : فليس هناك تطور عالمي للصناعة الرأسمالية . فالرأسماليون يتنافسون فيما بينهم على أسس الأسواق والدول القومية . ويحاولون نقل هذا التنافس إلى قلب الطبقة العاملة .
والعمال الأكثر وعيا يردون – منذ زمن الأممية الأولى – أن من مصلحتهم ، بما فيها مصلحتهم الاقتصادية المباشرة ، أن يقابلوا التنافس العالمي للرأسماليين بالتضامن الأممي للشغيلة . بدون هذا التضامن يبقى العمال بدون حماية ويتعرضون للسحق المنهجي من قبل الرأسمال . لان الرد الوحيد الذي يملكونه إزاء التفوق الضخم في القدرة المالية وفي السلطة السياسية لهذا الرأسمال ، هو الرد بالتنظيم المتضامن والمتعاون على أوسع ما يمكن دون أن تحده حدود أو عرق أو جنس .
هكذا نصل إلى الشق الرابع حيث تبدأ القاعدة التي أوردها ماركس في “البيان” تأخذ تطبيقها العالمي . تلك هي بداية العصر الامبريالي حين تكون برجوازية بلدان أوروبا الغربية الوسطى ، وعرضيا برجوازية بلدان كاليابان وروسيا والولايات المتحدة ، قد استنفدت كل إمكانيتها في لعب دور تقدمي في التاريخ لتصبح طبقة محافظة ، رجعية ، ومعادية للثورة ، تستغل قسما كبيرا من العالم بالإضافة لاستغلال طبقتها العاملة ، بحيث أن النزعة القومية لهذه البرجوازية الامبريالية تعتبر لدى الماركسيين ، وبالدرجة الأولى لدى لينين ومدرسته بل من قبل جميع الذين كانوا يعتبرون أنفسهم ماركسيين قبل الحرب العالمية الأولى على أنها رجعية حصرا .
فكاوتسكي ذاته وسواه من الاشتراكيين الديمقراطيين قبل ١٩١٤ كانوا يرددون أنه حين تستخدم البرجوازية الإمبريالية كلمة الدفاع عن الوطن أو عن القومية فان ما تقصده ليس هو “الدفاع عن كيان ثقافي أو عن حقوق ديمقراطية” عادية إنما الدفاع عن سيطرتها على السوق العالمية والدفاع عن الأرباح الإستعمارية المرتفعة ، وعن إمكانية زيادة استغلالها للجزء من العالم الذي تسيطر عليه .
ولا أرى فيما جرى بعد ١٩١٤ مبررات للتشكيك بهذا الحكم . فلو تفحصنا التحليلات التي قام بها علماء الإجتماع أو مؤرخون أو اقتصاديون معروفون وأذكياء ممن توخوا إنكار تلك العلاقة السببية الثابتة ما بين الشوفينية والإمبريالية والمصالح المادية للبرجوازية الإمبريالية لرأينا أنها أفلست كليا.
والمثال الأكثر لفتا للنظر وإثارة للأسف في آن معا ، هو مثال الإقتصادي النمساوي الكبير شومبتر ، أحد كبار المفكرين في القرن العشرين خارج المفكرين الماركسيين ، والذي كتب مقالة شهيرة ليثبت أن الإمبريالية والشوفينية لا علاقة لهما بظاهرة برجوازية الإحتكارات ، وأورد دليلا على ذلك كون البلد الذي يملك أكبر الإحتكارات ليس امبريالياً ولا شوفينياُ ويقصد بذلك الولايات المتحدة الأميركية . ربما كان ذلك مقنعا في عام ١٩١٢ وهو أقل إقناعا في عام ١٩٧٠ حيث يثير هذا الدليل السخرية. وبالمقارنة مع هذا النوع من التحاليل نرى أن التنبوءات التي أطلقها الماركسيون وتحديدا لينين في كتيبه عن امبريالية ١٩١٧ تصمد بشكل أفضل أمام امتحان التاريخ وتتجلى كأدوات مفيدة لتفسير ما جرى في القرن العشرين .
هل يعني هذا أن الماركسيين وعلى الأخص المدرسة اللينينية التي ادعي الإنتساب لها يوحدون كل فكرة قومية وكل نزعة قومية في القرن العشرين مع النزعة القومية الإمبريالية ؟
ليس الأمر كذلك . هناك فكرة موجودة في كتابات ماركس في شيخوخته ، ماركس في السنين العشر الأخيرة من حياته ، ستتطور في الفكر الماركسي في العصر الإمبريالي لتأخذ مكاناً حاسماُ فيما يتعلق بتثمين المعزوفات القومية خلال عصرنا . المقصود بذلك تلك الفكرة البسيطة وربما التبسيطية – لكني اعتقد أن البساطة في بعض المرات تسمح بالوضوح – القائلة انه يجب التمييز بين قومية الظالمين وقومية المظلومين والمستغلين. أقول أن الفكرة من أصل ماركسي . ذلك أن ماركس كان أول من طور هذه الفكرة تبعا للمسألتين الحسيتين اللتين كان يعلق عليهما أهمية كبرى في كل إستراتيجيته عن صراع الطبقات العالمي : المسألة البولونية والوضع الإيرلندي .
لن أتعرض هنا للمسألة البولونية لأنها معروفة جيدا و إن فُسرت مراراً على نحو خاطئ باعتبارها آلة حرب خاصة ضد النظام القيصري ، مجرد آلة حرب ضد النظام القيصري دون أن يكون لها أية علاقة مع مبدأ أكثر أساسية .
أما المسألة الايرلندية فهي أوضح وأدق بكثير بصدد هذا الموضوع . فقد كتب ماركس منذ ١٨٧٠ – ١٨٦٩ في مقالة بجريدة بلجيكية كانت تسمى “الأممية L’internationale ” انه طالما لم يدرك العمال الإنكليز أن من واجبهم مساعدة الإيرلنديين على الحصول على استقلالهم القومي ، فلن يصنعوا أبدا ثورة اشتراكية في انكلترا .
إن ماركس ، الذي كان أبعد ما يكون عن الإنطلاق من فكرة أن القومية الإنكليزية والقومية الإيرلندية متعادلتان ، و أن قومية الأمة الظالمة وقومية الأمة المظلومة متماثلتان ، ينطلق ماركس من هذا التمييز الأساسي ( و أعتقد أنه يجب القول أن التاريخ أثبت صحة نظرته ) : إن استغلال واضطهاد الأمة الايرلندية على يد البرجوازية الانكليزية – إذا لم يدعم العمال الانكليز نضال الإيرلنديين – ستكون نتيجتهما أن العمال الإيرلنديين الذين سيمثلون أقلية متزايدة من البروليتاريا الإنكليزية سيخسرهم النضال الطبقي لمدة طويلة، ولن يكون بإمكانهم تكوين جبهة مشتركة ضد أرباب العمل الانكليز ما دام العمال الإنكليز سيشكلون في الواقع جبهة مشتركة مع برجوازيتهم ضد الأمة الإيرلندية .
إن ما يختص به العصر الإمبريالي هو أن هذا التفريق بين قومية المستغَلين وقومية المستغِلين لا يبعد البروليتاريا عن الصراع من أجل السلطة وفي سبيل الإشتراكية ، بل على العكس يقربها من ذلك . لأن مهمات التحرر والتوحيد القوميين للأمم المضطهَدة (بفتح الهاء ) لا يمكن بعد اليوم أن تتحقق في العصر الإمبريالي إلا بتحالف البروليتاريا مع الفلاحين الفقراء بقيادة البروليتاريا السياسية وبإقامة دكتاتورية البروليتاريا .
إن انتصار الثورة في بلد نام بقيادة بروليتارية لا يمكن أن يقتصر على حل مشاكله القومية والديمقراطية إذ أن هذه الثورة تشعل فتيل عملية ثورة دائمة تنتهي إلى حل المهمات التاريخية للثورة الاشتراكية ويحفز الامتداد الأممي للثورة باتجاه بلدان رفيعة التصنيع ، حيث المهمات المباشرة للثورة هي مهمات اشتراكية .
إني أشعر بسخط عظيم حين أرى أشخاصا مثل غي موليه يعطون أمثولات في الأممية ويقولون في عام ١٩٥٥ – يوم كان هذا الإشتراكي – الديمقراطي رئيسا لوزراء فرنسا الإمبريالية – أن أولئك الجزائريين على خطأ حين يطالبون – في القرن العشرين وفي عصر تجاوز فكرة الأمة – بالإستقلال الوطني . كان بإمكان أي إنسان عاقل أن يرد على السيد غي موليه بقوله : ( قضية ممتازة : فكرة الأمة تخطاها الزمن ! فلماذا لا تبدأ أنت بتخطي فكرة الأمة الفرنسية؟ لماذا تطلب أنت من امة مضطهَدة أن تتجاوز الفكرة القومية في الوقت الذي ترفض فيه كزعيم لدولة استعمارية ومضطهِدة أن تتخطى تلك الفكرة ؟ )
فالمثال لا ينبغي ، مهما تكن الظروف ، أن يصدر عن العبد : يجب ألا يطالب العبد بالإقلاع عن استعمال العنف بعد اليوم للتخلص من قيوده . علينا – إذا أردنا الكلام على هذا النحو – البدء بالطلب إلى الدركي والى مالك العبيد أن يكفا عن حماية استغلالها بالعنف . وبعد ذلك نرى .
أقول انه ليس بإمكاني البتة أن أتعاطف مع من يوازن بين قومية الظالمين وقومية المظلومين . فبقدر ما أن قومية الظالمين ممقوتة ولا يمكن أن تفسح في المجال أمام أي تقدم إيديولوجي أو أخلاقي ، نجد أنفسنا ملزمين بأن نحسب حساب عدد أكبر بكثير من الإعتبارات حين يكون الأمر متعلقا بقومية المظلومين .
حين نتحدث عن الشعوب المستعمَرة – ليس فقط عن الشعوب المستعمرة من الخارج ، الشعوب التي كانت تسكن المستعمرات الخارجية ، بل أيضا عن شعوب المستعمرات الداخلية كالزنوج في أميركا – وحين نرى الوضع البائس الذي يلف هذه الشعوب المضطهَدة وحين نرى أنها ضحايا اضطهاد اقتصادي ، سياسي ، أخلاقي ثقافي ، و أن هذا الإضطهاد الأخلاقي والثقافي غالبا ما يمثل البنية الفوقية التي لا غنى عنها لإمكانية استمرار الإضطهاد الاقتصادي والسياسي ، حينذاك أراني مضطرا لأن اردد ما قاله تروتسكي قبلي : إن ولادة الوجدان القومي لدى أمة مضطهَدة ، ومحاولة التحرر ليس فقط من الإمبريالية الإقتصادية والسياسية بل أيضا من الإمبريالية الثقافية، تشكلان خطوة أولى على طريق وعيها لكرامتها الإنسانية ، ويومها يحصل تقدم عظيم للإنسانية .
يجب أن نتذكر ما كانت عليه حال العبيد السود في القرن التاسع عشر والمزارعين الزنوج بعد حرب الانفصال في الولايات المتحدة لندرك أن الوعي القومي لهذه الفئة من الناس المستغلة جدا والمضطهَدة جدا يشكل تقدما جبارا. تلك مرحلة لا غنى عنها أبدا ولا يمكن تجنبها على الإطلاق لكي يصبح ممكنا في فترة لاحقة دمج القوميات المضطهَدة من هذا النوع في إنسانية موحدة أخيرا .
إن الأممية ستؤدي إلى ذوبان الأمم في مجتمع عالمي لا طبقي . لكن هذا الذوبان سينتج عن تساوي الأمم والمفروض في هذا التساوي يكون قد تحقق قبلا. أما ما دامت الأمم غير متساوية فلن تشهدوا أبدا اختفاء الوجدان القومي لدى المضطهَدين لأنه لحسن الحظ ليست هناك قوة قادرة على إطفاء شرارة الثورة ، مما يعني انه لن يكون هناك أبدا قبول سلبي بالظلم وبعدم المساواة تحت أي شكل كان .
مكسيم رودنسون :
أود أن أقول بضع كلمات ردا على نقطتين أو ثلاث نقاط أثارها ماندل .
لقد كان على حق حين انتقدني على الصيغة التي قلت فيها إن ماركس كان يتكلم عن اقتصاد مدول ، بالواقع لقد زل لساني . وهو مصيب تماما ، فماركس حين كان يواجه المستقبل لم يكن واضحا كل الوضوح ، وقد جاءت بعض أفكاره متناقضة نوعا ما ، على الأقل في التفاصيل . لقد تكلم في أكثر الأحيان عن المنتجين الشركاء. ومع ذلك كان ماركس يقول إن الدولة ستضمحل ببطء وبالتالي سيكون هؤلاء المنتجون الشركاء على مستوى القاعدة مشتركين في تعاونيات في أماكن الإنتاج ، وسيكون هناك على الأقل في مرحلة معينة جامعة لوحدات الإنتاج هذه على مستوى أوسع . ليس المقصود بذلك الدولة بالضرورة . فذلك غير واضح عنده أبدا .
ما أعيبه على ماركس هو أنه لم يلحظ عوامل نشوء طبقات في هذه المرحلة ، بعكس باكونين – هناك تدوينات توضيحية وضعها على هامش مؤلف لباكونين – واعتقد في هذا المجال أن باكونين كان واضحا إذ يقول : في مشروع المجتمع الذي يعده السيد ماركس ( أو الدكتور ماركس ) ستتكون حتما طبقة جديدة تضطهد الطبقات الأخرى .
وقد رد ماركس – وقد كان مفكرا كبيرا وهذا ما نتفق عليه جميعا – رد في ملاحظة صغيرة على الهامش ، وببساطة ، قائلا : لو كان السيد باكونين مطلعا فقط على وضع مدير تعاونية عمالية ، لطرد كل كوابيسه عن السلطة وهذا كان يعني نقل وضع العامل حين كان يتوصل في إطار المجتمع الرأسمالي للتحرر من نقطة صغيرة وجزئية جدا ، نقله آليا إلى مجتمع المستقبل . وكان ذلك تهورا كبيرا على ما أعتقد .
ثانيا : هناك حالات استغلال واضطهاد لشعب بأسره من قبل شعب آخر وقد سبق ذكر حالة ايرلندا وبولونيا في أوروبا . وهناك حالات استعمارية جلية كذلك . واني أعتقد أن القول بأنه ليس للبروليتاريين مصلحة حقيقية في تلك السيطرة وذلك الإستغلال هو إخفاء لهذا الواقع .
كان ماركس يتكلم عن واجب البروليتاريين المقدس في النضال ضد اضطهاد الآخرين من قبل برجوازيتهم ، وهو ما تجدر الإشارة إليه لأن الماركسيين ، بدءاً به تعودوا إنكار كل قاعدة أخلاقية مستغلة ، وكان ماركس يتقصد إن يصرح بأن الدوافع الأخلاقية ليست هي التي تحفزه وتحركه – كان من أزعج الأمور بالنسبة إلى ماركس نفسه وبالنسبة إلى الماركسيين اليوم أن يقال أنهم ينشدون مثلا أعلى- لكن يُخيل إلي أن الكلام عن واجب مقدس هو بدوره كلام أخلاقي .
مهما يكن من أمر ، كان ماركس يعتقد أن النضال ضد الإستعمار الإنكليزي هو من مصلحة العمال الإنكليز . غير أني لست مقتنعا بذلك . في الواقع أرى هناك حالات عدة يكون فيها شعب بأسره ذا مصلحة في اضطهاد شعب آخر ، خاصة في الحالات الإستعمارية . أنه أمر أكيد كما يُخيل إلي أن فرنسيي الجزائر مثلا، الأقدام السود في الجزائر، كانت لهم مصلحة، بشكل إجمالي وجماعي، بما فيهم الصغار ، في صيانة امتيازاتهم بالنسبة لجماهير العرب والبربر ، ولهم بالتالي مصلحة في اضطهادها .
ويمكن القول كذلك أن المجتمع الأبيض بالولايات المتحدة ، إجمالا ، يضطهد المجتمع الأسود . هنا يجب أن نشير إلى الفروق لأن ثمة برجوازية سوداء مثلا ، ولكن الأمور كذلك إجمالا . واعتقد – وأرجو ألا ينزعج بعض أصدقائنا – أن ذلك في القسم الأكبر منه ما يحدث في فلسطين .
تعلمون انه كان بين “الأقدام السود” في الجزائر الكثيرون ممن كانوا يصوتون للاشتراكيين وللشيوعيين . وهم أنفسهم الذين أصبحوا من العناصر الأكثر تصميما في منظمة الجيش السري . قبل ذلك كانوا شيوعيين مصرين على المطالبة بحقوقهم إزاء البرجوازية الفرنسية المتروبولية ، ولم يكونوا أقل عزما في المطالبة باستمرار امتيازاتهم كمستغِلين لجماهير العرب والبربر .
إنني موافق كلية على التمييز بين قومية الشعب الظالم وقومية الشعب المظلوم . لكن ما أريد التشديد عليه للمستقبل أكثر منه للحاضر ، تجاه أصدقائي من العالم الثالث وخاصة من العالم العربي ، هو أن كون الإنسان مضطهَدا ليس ضمانة ضد التحول إلى مضطهِد في مرحلة لاحقة وهذا ما يؤكده وضع اليهود . يجب عدم الركون بسذاجة لكوننا من المضطهَدين و وجدان المستريح عند اليهود أغاظني لدرجة أنني سمحت لنفسي بان أفضحه عند الآخرين أيضا .
لدينا وضع بولونيا كمثال . ففي القرن التاسع عشر كانت بولونيا بنظر كل الليبراليين وكل الديمقراطيين والاشتراكيين في أوربا الحالة النموذجية للأمة المظلومة التي يجب نذر النفس في سبيلها . ولما استقلت بعد ذلك بدأت فورا باضطهاد الآخرين .
في هذا الموضوع أريد أن اقرأ عليكم نصين قصيرين جدا للينين لأنهما من النصوص غير السهلة المنال التي قلما يستشهد بها . هاكم هذا الكتيب الصادر في موسكو بالفرنسية والذي أعيد طبعه في فرنسا ( المنشورات الاجتماعية ) ولكن مع حذف مقالتين من أصل أربع مقالات تكون الكتيب . هل تم ذلك لان المقالتين المحذوفتين تحتويان على مقاطع محرجة لبعض الماركسيين ، خاصة للشيوعيين الستالينيين ، ولكنها حافز للتفكير عند الجميع كما اعتقد ؟.
لم تجر العادة أن تنسب للينين أفكار بهذا الوضوح عن مرحلة ما بعد الثورة : “في ظل الرأسمالية من المستحيل إزالة النير القومي ( والنير السياسي بشكل عام ) . لهذا فمن الضروري إزالة الطبقات أي إقامة الاشتراكية . لكن الاشتراكية وان ارتكزت على الاقتصاد فإنها لا يمكن أن تقتصر عليه وحده أبدا . من اجل إلغاء الاضطهاد القومي يجب أن تكون هناك قاعدة : الإنتاج الاشتراكي . ولكن علي هذه القاعدة لا يزال من الضروري وجود تنظيم ديمقراطي للدولة وجيش ديمقراطي الخ . وبتحويل الرأسمالية إلى اشتراكية فان البروليتاريا تخلق إمكانية إلغاء الاضطهاد القومي كاملا . هذه الإمكانية تصبح واقعا فقط – فقط ! – مع إقامة كاملة للديمقراطية في كل المجالات (إذن لا تقام آليا بالاقتصاد المسمى اشتراكيا) ومن ضمنها تحديد حدود الدولة وفقا “لرغبات” السكان ومن ضمنها “الحرية الكاملة للانفصال” (1) .
المقطع مختصر لكنه صالح كما اعتقد للتأمل . هناك مقطع مختصر آخر كذلك.
ذاك الذي يورد فيه لينين رسالة من إنجلس إلى كاوتسكي في أيلول ١٨٨٢ وفيها يتكهن إنجلس بالفترة التي ربما تحدث فيها الثورة الاشتراكية في أوربا . وفي رؤيته للعصر ، فان أوربا ستكون متقدمة جدا على سواها، لكن من المحتمل أن البلدان الأخرى ، البلدان المستعمَرة ، لن تفهم هذه الاشتراكية وربما أمكن تجنيدها ضدها . يقول لينين نقلا عن إنجلس : “ما المراحل الاجتماعية والسياسية التي يجب أن تمر بها هذه البلدان قبل بلوغ التنظيم الاشتراكي؟ لا يمكننا أن نجيب اليوم إلا بفرضيات عديمة الفائدة كما اعتقد . لكن هناك أمر واحد ثابت وهو أن البروليتاريا المنتصرة لا يمكنها فرض نوع معين من السعادة على بلد أجنبي دون أن تعرض للخطر انتصارها بالذات” .
فإنجلس حسب تحليل لينين “لا يعتقد أبدا أن العامل الاقتصادي كاف بذاته للتغلب مباشره على كل الصعوبات . والثورة الاقتصادية ستحث كل البلدان على الاتجاه نحو الاشتراكية ، مع ذلك يمكن أن نتوقع حدوث ثورات ضد الدولة الاشتراكية وحروب أيضا . إن النظام السياسي سيتكيف حتما مع النظام الاقتصادي . لكن ذلك لن يتم فجأة ، ومباشرة ودون صدامات . الأكيد بالنسبة لإنجلس هو مبدأ واحد مطلق في أمميته يطبقه على كل “الشعوب الأجنبية” وليس فقط على الشعوب المستعمَرة وهو أن فرض سعادة معينة يؤدي إلى تعريض انتصار البروليتاريا للخطر . فلن تصبح البروليتاريا ، لمجرد انجازها الثورة الاجتماعية ، قديسة أو محصنة ضد كل الأخطاء وكل ضعف . لكن الأخطاء الممكنة (والمصالح الدنيئة التي تدفع للتمركز على ظهر الآخرين) (2) ستقودها لا محالة إلى إدراك هذه الحقيقة” (3).
يبدو لي أن هذه النصوص تسلم في حدود معينة بأن حل مسألة الطبقات لا يؤدي آليا إلى حل كل المشاكل القومية . كلمة موجزة أخرى . تاريخيا ، حين يقال ( كما قيل هنا ) (4) إن الإسرائيليين مضطهَدون بواقع أن الفلسطينيين لا يعترفون لهم بالحق في الوجود ككيان قومي ، فهذا اضطهاد لا يزال مجردا جدا حتى الآن ، يجب أن نفهم انه إذا كان الإسرائيليون مضطهَدين بالطريقة الأكثر تجريدا ، فذلك لأنهم أخذوا يتحولون بالممارسة إلى مضطهِدين وهو أمر تحمله أصعب .
من جهة أخرى ، فان التشهير باليهود على أنهم غرباء في روسيا ليس كالتشهير بهم لكونهم غرباء في فلسطين . فالأوضاع مختلفة كليا . ففي روسيا يشكل اليهود واقعيا وحقيقة جزءاً من السكان الأصليين ولو أنهم ينحدرون من أصل أجنبي بعيد جدا ، يشكلون أقليه غير محظوظة ، بينما الأمر في فلسطين مختلف جدا .
لست مؤمنا بخطط واستراتيجيات وتكتيك الفلسطينيين ( فانا في موقف المنتقد المتشدد إزاءها ) ولكن يجب الاعتراف مع ذلك بشيء أكيد وبسيط ، ففي بداية الصهيونية السياسية في سنة ١٨٦٧ ، وقبل ذلك بقليل يوم كان هرتزل وأسلافه يقولون انه يجب تحويل فلسطين إلى دوله يهودية، فلسطين التي كانت آنذاك بلدا عربيا كما فرنسا فرنسية وبلجيكا بلجيكية ، لا أرى منطقيا كيف كان ذلك يمكن أن يحدث إن لم يكن بواحدة من طريقتين: إخضاع السكان الأصليين أو طردهم . فلا سبيل لهذا التحويل غير ذلك . وهذا بالواقع ما حدث .
ارنست ماندل :
لقد طرحت علي أسئلة كثيرة وعندي ملاحظات عديدة أبديها خاصة حول ما قاله غوريللي بحيث أن الوقت المعطى لي لن يكفي . سأضطر إذن إلى تخييب أمل عدد من الحاضرين لأنه يستحيل علي الإجابة على جميع الأسئلة في عشر دقائق .
سأوجز جوابي على السيد غوريللي (5) الذي اتخذ موقفا انطوائيا وأشد حذرا في مداخلته الثانية مما كان قد قاله سابقا ، مذكرا إياه بالتفريق الذي أجراه لينين بين الجدلية والسفسطة . فالسفسطة تتميز عن الجدلية بكونها لا تعترف بان هناك شيئا مطلقا في التمييز بين النسبي والمطلق . فتحاول إذن أن تمحي كل الحدود وكل التمايزات بين المقولات ، وتجعل كل شيء نسبيا بدون استثناء.
ليس هذا هو الديالكتيك . ليس الديالكتيك جعل كل شيء نسبيا ولا إزالة أي تمايز مثلا بين الموت والحياة ، فالجدلية تقر بوجود حالات انتقالية وبأن المقولات ليست متجمدة وليس بينها هوة مطلقة ولكنها لا تفرض أن كل تمايز بين المقولات تافه وثانوي أو حتى غير موجود .
إذن لا أجادل أبدا بوجود حالات انتقالية بين المضطهِدين والمضطهَدين. لكن ذلك لا يبرر البتة عدم التمييز بين مضطهِد ومضطهَد ، بين شعب ظالم وشعب مظلوم ، بين قومية الشعب الظالم وقومية الشعب المظلوم . فتلك سفسطة فظة اكرر أن غوريللي ابتعد عنها في مداخلته الثانية .
كذلك خاطئ إطلاقا الادعاء بأن الماركسية كانت منذ بداياتها متغربة وان ماركس لم يكن لديه تفهم لمشاكل شعوب “العالم الثالث” . وسأعطي أمثلة ثلاثة :
- كان موقف ماركس من انتفاضة سيباي (6) ، التي تعتبر إلى حد ما أول انتفاضة لمستعمرة في القرن التاسع عشر ، ايجابيا مئة بالمئة رغم كون قادة انتفاضة السيباي إقطاعيين وملاكين عقاريين شبه إقطاعيين .
- موقف ماركس من انتفاضة ثاي – بنغ (وهي أول نذير للثورة الصينية) كان كذلك ايجابيا مئة بالمئة .
- بالنسبة للموجيك الروس فاني مضطر أن أقول للسيد غوريللي وكذلك للرفيق غرينباس (7) أنهم لا يعرفون تاريخ موقف ماركس من روسيا . وإلا لكانوا أدركوا انه في خلال العشر سنين الأخيرة من حياته ، أكد ماركس ، خاصة في المقطع الذي ذكر والذي أشار إليه البروفسور رودنسون ، انه ليس مستبعدا أبدا أن ينتقل الموجيك الروس إلى الشيوعية مباشرة دون المرور بالرأسمالية . ذلك كان آخر كلام له حول الغياب المزعوم “للدور التاريخي” للموجيك الروس . وقد أعاد الاشتراكيون – الديمقراطيون الروس النظر في هذا فيما بعد وهم في ذلك مصيبون . لان ماركس حدد عدداً من الشروط : كان يقول : إذا استمرت المشاعة القروية وإذا لم يكن تطور الرأسمالية فائق السرعة ولا يحطم التماسك الداخلي لهذه المشاعة ، وإذا لم يدخل القرية الانقسام الطبقي ، وإذا لم يحطم الاقتصاد النقدي التضامن الأساسي ، عند ذاك ليس مستبعدا البتة أن يبني الموجيك الشيوعية في روسيا .
تصوروا أيها الرفاق الأعزاء هؤلاء الموجيك الرهيبين والمتأخرين الذين بخسهم ماركس المسكين حقهم قبل أن توجه إلى تروتسكي تهمة احتقار الفلاحين، تصوروهم يبنون الشيوعية في روسيا . هذه الظروف التاريخية التي كان قد حددها ، بدأت بالزوال في نهاية القرن التاسع عشر تقريبا وهذا واضح تماما . ولقد أعاد بليخانوف النظر في موقف ماركس هذا ، وهو على حق في ذلك لأن الظروف كانت قد تغيرت في سنة ١٨٩٠ بالنسبة لما كانت عليه في ١٨٦٥ او١٨٧٠ .
والآن أجيب على سؤال الرفيقة تسيكا (8) المرتبط بالسؤال السابق . هل أن الماركسية وكل الماركسيين الثوريين اللينينيين والتروتسكيين قد اكتشفوا الواقع القومي في بلدان العالم الثالث فقط بعد الحرب العالمية الثانية ؟ إطلاقا لا . أعيدوا قراءة الموضوعات حول المسألة القومية عند الأممية الشيوعية المكتوبة عام١٩٢٠ اقرؤوا جميعكم كتابات لينين قبل وأثناء الحرب العالمية الأولى وستجدون فيها أن اللازمة التي تتردد هي التمييز بين الحروب غير العادلة وهي الحروب الإمبريالية التي تشنها الطبقات البرجوازية الامبريالية ، والحروب العادلة وهي حروب التحرير الوطنية التي تخوضها الشعوب المضطهَدة. لم يكن ذلك لأزمة في كتابات لينين فقط بل في الوقائع كذلك .
فحين اندلعت الإنتفاضة الأولى ضد الإستعمار الفرنسي في المغرب عام ١٩٢٥ ، تلك الانتفاضة التي قادها الإقطاعيون ، كان للحزب الشيوعي الفرنسي شرف منح دعمه الكامل وغير المشروط لهذه الانتفاضة ، وهو العمل الوحيد المعادي حقا للاستعمار والأممي تماما ، في كل تاريخ الحزب الشيوعي الفرنسي ، وهو العمل الذي فاخر به الحزب الشيوعي الفرنسي والأممية الشيوعية ، وهما في ذلك مصيبان . وقد وقعت بعد ذلك بسنة انتفاضة في اندونيسيا ساندتها الأممية الشيوعية والشيوعيون الهولنديون مئة بالمئة . وبعد ذلك بسنة كانت بداية حرب تحرر في الصين ضد الدول الإمبريالية ساندتها الأممية الشيوعية مئة بالمئة .
في سنة ١٩٣٧ اندلعت الحرب الصينية – اليابانية التي قادها من جهة الصين الماريشال تشان كاي تشيك ، جلاد العمال الحقيقي . وقد التزمت كل اتجاهات الحركة الشيوعية بدون استثناء ، بما في ذلك تروتسكي والحركة التروتسكية ، بتأييد غير مشروط للصين ضد اليابان لأنهم كانوا ينظرون إلى الأمر على أنه حرب تحرر لشعب مظلوم ، وممزق من قبل الدول الأجنبية الإمبريالية . أما وضع القومية اليابانية التي كانت قومية قطاع طرق على قدم المساواة مع القومية الصينية التي كانت قومية عبيد بدأوا ينهضون ، فقد كان أمرا بشعا في ذلك الحين قدر بشاعته في مثال حرب الجزائر وحرب فيتنام .
لا جديد إذن على هذا الصعيد . الشيء الجديد الوحيد أنه غداة الحرب العالمية الثانية ، في السنوات ١٩٤٨ – ١٩٤٥ ، وقفت الحركة التروتسكية وحدها مخلصة لهذا الخط في الحركة الشيوعية العالمية بدون أي تنازل لمواقع الاشتراكيين الإمبرياليين التي كانت آنذاك مواقع الستالينيين ، مواقع الأحزاب الشيوعية الرسمية، وهؤلاء أيدوا الإتحاد الفرنسي وسحق انتفاضة الجزائر لعام ١٩٤٥ التي وصفوها بالانتفاضة الفاشية . وهؤلاء صوتوا لمصلحة اعتمادات حرب الهند الصينية الأولى مع الوزراء الفرنسيين الشيوعيين المشتركين في الحكومة التي أشعلت تلك الحرب . لكن المنظمات التروتسكية ساندت بدون تحفظ منذ ذلك الحين حرب التحرير التي تخوضها شعوب فيتنام والجزائر ولم تبدل خطها قط .
سأرد على سؤال طرحه غرينباس ويرتبط بالسؤال الأول . لا اعتقد أن مفهوم البروليتاريا هو ، بأي شكل ، خاص بالغرب . نحن بلا شك نتكلم عن شيئين مختلفين تماما. إن مفهوم البروليتاريا عندك مفهوم إيديولوجي أساسا . وهو مفهوم موضوعي بالنسبة لي ، فالبروليتاري عندي هو شخص مرغم بسبب ضغط اقتصادي على بيع قوة عمله . وهذا ينطبق على بروليتاري الهند و بروليتاري إفريقيا الجنوبية و بروليتاري مصر ، و بروليتاري الكونغو البلجيكي سابقا – اعني الكونغو كينشاسا – كما ينطبق على البروليتاري الفرنسي والألماني وعلى البروليتاري الأميركي .
وارى البرهان على ذلك في واقع أنه لا يوجد بلد في العالم حتى ولا جزيرة في الباسيفيكي ، أو بلد مهما يكن متأخرا دخلت إليه الصناعة الحديثة وظهرت نتيجة لذلك بروليتاريا ، لم تحدث فيه إضرابات وصراع بين العمال وأرباب العمل ومحاولة تكوين النقابات من جانب العمال . ليس هناك في العالم بلد يشذ عن هذه القاعدة . بهذا المعنى أؤكد أن هذا المفهوم ذو تطبيق عالمي . يمكن أن نميز مراحل متلاحقة في تكون الوعي الطبقي . لكن حتى في هذه الحالة يجب الإقرار بأن يقظة البروليتاريا العالمية التي يحتفل بها بعضنا منذ ١٩٦٨ ( وحتى قبل ايار١٩٦٨ بقليل) كانت لها نتائجها حتى في الهند. فقد علمنا مؤخرا أن عمال الصناعة النسيجية في بومباي أي ما يمثل رقما مهما يتراوح بين ٢٥٠ و ٣٥٠ ألف شخص في فرع صناعي واحد ومدينة واحدة قد كونوا ، تماما مثل عمال سيارات الفيات ، مجالس مندوبين منتخبين من قلب المشاغل من اجل استرجاع قيادة نضالهم الطبقي . خذوا هذه الوقائع وسترون ان مفهوم البروليتاريا مفهوم عالمي حين يتلاءم مع الظروف المادية والظروف التاريخية التي يرجع إليها.
أما فيما يخص الأعمال الماركسية التي يقال إنها انعدمت بعد ١٩٣٠ ، (9) ورغم قدم المناقشة مع أولئك الذين لم يتمكنوا من التخلص تماما من أصولهم الستالينية ولا يعترفون بصحة تحليل تروتسكي ، فسوف أقدم لهم هدية وهي عبارة عن مجلد من ٧٥٠ صفحة يضم كل ما كتبه تروتسكي قبل ١٩٣٣ ، عن النازية ، عن هتلر ، وعن دور الاشتراكية – الوطنية ، عن مصير الطبقة العاملة في ألمانيا وأوربا . ستقرأ هذا الكتاب المؤلف من ٧٥٠ صفحة وستقول لي إن كان ذلك يتناسب مع تحليل تاريخي ماركسي صالح أكده التاريخ . يمكن أن أضيف كذلك تحليل تروتسكي للظاهرة السوفياتية :” الثورة المغدورة” وهو كتاب ألفه عام ١٩٣٦ . بالنسبة لي ، رغم وجود اختلافات بيننا حول هذا الموضوع ، فهذا لا يمنع أن ذلك التحليل أساسي وجوهري . وحين يعطى في أيامنا للشباب التشيكيين – أتكلم عن الحبل في بيت المشنوق – وللشباب البولونيين أو السوفيات فإنهم سيتعرفون فيه بسهولة ليس كل الحقيقة الإجتماعية لبلادهم بين ١٩٣١ و ١٩٧١ ( فقد مضى بعض الوقت ) لكنهم سيتعرفون فيه الخطوط الأساسية و سيعرفونها بسهولة كبيرة .
لقد طرح علي سؤال حول القومية الفلسطينية وحول الموقف من قومية بلدان العالم الثالث بشكل عام (10) . اعتقد أن ذلك أمر يجب عدم المغالاة في تبسيطه . فحين نقول إن نضال التحرر القومي لشعوب العالم الثالث ، للشعوب المضطهَدة هو نضال عادل ، بعكس سعي البلدان الامبريالية للإبقاء على اضطهاد هذه البلدان ، فهذا لا يعني البتة أن كل التمظاهرات السياسية والإيديولوجية لهذا النضال تقدمية .
لنأخذ مثالا تاريخيا سبق ذكره : نضال الشعب الصيني ضد الامبريالية اليابانية . لقد كان نضاله عادلا ولو بقيادة تشان كاي تشيك . لكن ذلك لا يحول تشان كاي تشك من جزار رجعي وشبه فاشي إلى تقدمي ذي نزعة اشتراكية أو شيوعي أو ديمقراطي .
بجب أن نميز بين المعنى التاريخي الموضوعي لنضال جماهيري ، وبين شتى التيارات الإيديولوجية والسياسية والنظرية التي تتوزع ذلك المجتمع وذلك الشعب المضطهَد. وهنا أقول مستعيدا بذلك موضوعة لينين الشهيرة حول المسألة القومية والكولونيالية المقرة خلال المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية انه بقدر ما إن كفاح الشعب الفلسطيني والشعب العربي عادل وتقدمي ، بقدر ما إن الجامعة الإسلامية وكل اتجاه من هذا النوع من طبيعة عنصرية ، ليس اتجاها تقدميا.
يجب التفريق بين نضال الجماهير والقوة الاجتماعية الموضوعية وما يدور في رؤوس الناس . لكني لن أخلص للإستنتاج أنه ما دام الناس يحملون أفكارا رجعية في رؤوسهم فان نضالهم ليس عادلا. هذا غير مهم . فالأولوية للواقع الاجتماعي، للوجود المادي ، وليس للأفكار . وليس بالمستطاع تغيير هذه الأفكار إلا بتغيير الواقع الاجتماعي . ومن دون تغيير هذا الواقع لا يمكن أبدا أن تتغير الأفكار أولا . أضف إلى ذلك أن هذا التغيير هو تغيير أحادي الجانب .
استعيد المثال الذي استخدمته منذ قليل : ليرم من كان بلا خطيئة الحجر الأول . من هم أولئك الذين يعيبون على العرب كونهم عنصريين وقوميين وإسلاميي النزعة ؟ هل هم أطهار من هذه العيوب نفسها ؟ أليسوا قوميين وعنصريين البتة ؟ انظروا إذن كيف يطبقون مبدأ المساواة بين جميع الأشخاص بغض النظر عن أصلهم العرقي ، كما هي الحال داخل إسرائيل على سبيل المثال !! إنهم يطبقون مبدأ المساواة هذا إلى درجة أن اليهودي هو وحده المسموح له بأن يهاجر إلى إسرائيل لا العربي : الحق انه لا يجوز أن نطلب إلى المضطهَدين، ما دمنا في عالم هو عالم فاسدين وأشرار ، عالم يقوم منذ آلاف السنين على الإضطهاد والإستغلال ، أن يكونوا أطهارا قبل أن يكون لهم حق التحرر ، ومن دون أن نطرح السؤال على مضطهديهم أولا .
لهذا السبب أقول انه يجب النضال إيديولوجيا داخل المعسكر الثوري ضد تأثير الإيديولوجيات الرجعية . يجب ألا يتخذ وجود مثل هذه الإيديولوجيات الرجعية حجة لرفض الدعم المشروع تماما من وجهة نظر ماركسية لنضال شعب مضطهَد بشكل واضح ، في سبيل التحرر كما سبق وقال مكسيم رودنسون . وفي هذا المجال أوافقه تماما . بين اضطهاد حقيقي وبالوقائع و “اضطهاد” لا وجود له إلا في الأفكار ، اضطهاد إيديولوجي ، هناك عالم بأسره من الفوارق . هذا يقودنا للتفريق بين فضح كل من هيغل وماركس للاستعباد واستغلال الإنسان للإنسان . فهيغل كان يقول انه بوسع العبد أن يكون متفوقا على سيده إيديولوجيا وأخلاقيا وبفضل هذا التفوق فان تحرره يغدو أمرا محققا منذ الآن .
وقد أجاب ماركس : لندع التحرير في العقول لمن يكتفون بالعقل . ولنتكلم قليلا عن التحرر في الوقائع ، عن التحرير المادي ، عن التحرر الحقيقي . وعليه لا يمكن أن نساوي بين الاضطهاد الحقيقي الذي يقاسيه الشعب الفلسطيني وخوف يهود إسرائيل من التعرض لاضطهاد في المستقبل . أنا لا أجادل إطلاقا في كون هذا الخوف دافعا جبارا . لكن يُخيل إلي أن هناك عالما من التمايز بين هذا الخوف الذي ينتمي إلى المستقبل وبين أولئك الذين يثورون ضد الواقع الملموس ، وعدم إدراك ذلك معناه مجافاة الحقيقة تماما وتجاهل النضالات الحقيقية الجاري الآن .
الخلاصة أنني إذ أميز بين قومية الظالمين وقومية المظلومين فان ذلك لا علاقة له بخصوصية القوميات ، على وجه التحديد لأن القومية ذاتها يمكن أن تكون ظالمة في مكان ومظلومة في مكان آخر . هناك أمثلة عديدة من هذا النوع . فرنسا هي امة مضطهِدة في إفريقيا . أما قومية الناطقين بالفرنسية في كندا فهي قومية مضطهَدة. هذه حقيقة ظاهرة ، فالجميع في كندا اليوم متفقونُ حول ذلك بما فيهم الكنديون الإنكليز . إن ما يصدم عند الصهاينة أنهم يكررون وللمرة العاشرة في التاريخ قاعدة الوزنين والمقياسين وأنهم يطالبون لأنفسهم ما ليسوا مستعدين لإعطائه للآخرين .
هذه هي وجهة نظرنا : نقول للفلسطينيين وللعرب – وقد سبق أن قلناه منذ البداية واثبت التاريخ أننا كنا على حق – : “إذا نظرتم إلى النضال المعادي للإمبريالية والنضال ضد ظاهرة الصهيونية الإستعمارية من وجهة نظر محض قومية وإذا كنتم ستتجهون لهذا السبب نحو القوى الرجعية في بلدان عربية أخرى فإنكم ستدفعون للمأزق ! ولن تفيدوا من ذلك لا سياسيا ولا عسكريا ولا إجتماعيا ولا على أي مستوى . إن الإمكانية الوحيدة المتاحة لكم هي أن تضطلعوا بكل الدينامية التحررية لهذه الحركة المعادية الإستعمار التي ليست هي حركة تحرر قومي فحسب بل اجتماعي أيضا ، وان تتحولوا إلى ماركسيين – لينينيين ، إلى ماركسيين ثوريين ، وان تقودوا بشكل صحيح ثورة عربية في كافة البلدان العربية ، وان تجمعوا هذه القوة الجبارة للعمال والفقراء الفلاحين ولشعب من مئة وعشرين مليونا وهي القوة الضاربة الوحيدة التي بوسعها أن تنزل الهزيمة بالإمبريالية في هذه المنطقة من الشرق الأوسط” .”أما بقوى القومية الفلسطينية الدنيا الصغيرة وحدها – قومية دنيا بالنسبة لمجموع الشعب العربي – فلن تنجحوا في الوصول إلى أهدافكم” .
اعتقد أن أحداث الأشهر الأخيرة دلت على واقعية هذا التنبيه الذي كنا أشرنا به على الرفاق العرب . وهناك تيارات ثورية عربية متزايدة تستخلص نفس النتيجة وتسير في الاتجاه ذاته .
لم يتسن لي الوقت الكافي للإجابة على مجموعة من الأسئلة التي ترتد في خاتمة المطاف إلى نفس المسألة : الخلاف الظاهري في المصالح المادية بين بروليتاريا المتروبولات الامبريالية وبروليتاريا ( الجماهير المستغَلة بشكل عام ) البلاد المستعمرة أو شبه المستعمَرة . هذا التعارض في المصلحة واقعي بالنسبة للمستعمرات الإستيطانية بقدر ما يؤدي التحرر الكامل للشعوب المستعمرة فعليا إلى تسوية المستوى الحياتي بين أصحاب الإمتيازات وبين المحرومين بالأمس .
لكن لو وضعنا هذه الأقلية الزهيدة من الجنس البشري جانبا – أقل من واحد بالمئة من البروليتاريا العالمية – لكان هذا التعارض في المصالح المادية غير موجود فهو يعكس حيثما تجلى وعيا مغلوطا وانعداما لوعي المصالح الحقيقية ، أي تأثيرا شالا تمارسه إيديولوجيا الطبقة المعادية .
لنأخذ مظهرين من مظاهر هذه المشكلة : هل صحيح أن فقدان المستعمرات يؤدي بالضرورة إلى انخفاض في مستوى حياة الشغيلة ؟ إن التجربة القريبة العهد للبلاد الواطئة وبلجيكا بعد ١٩٦٠، وفرنسا وبريطانيا العظمى الخ ، تسمح بالإجابة بالنفي على هذا السؤال . انأ لا أناقش في أن الأرباح الاستعمارية المرتفعة يمكن أن تكون مصادر لمنافع يمنحها الرأسمال الإمبريالي لبروليتاريا المتروبولات، لكن نسبة هذه الأرباح ضمن مجمل الأرباح الإضافية الاحتكارية قد تقلصت جدا في عصرنا لدرجة انه يمكن أن تعوض بأرباح إضافية أخرى تحصل عليها الإحتكارات خاصة في الميدان التكنولوجي .
هل صحيح أن التحرر الكامل للعالم الثالث بإلغاء التبادل غير المتكافئ يمكن أن يمس المصالح المادية لعمال المتروبولات ؟ يمكننا أن نشك في صحة هذه المقولة حتى لو قبلنا بالفرضية القائلة بأن “مصالح” هؤلاء العمال تنحصر بزيادة الأجور في إطار النظام الرأسمالي . لكن حين نتخلى عن هذه الفرضية العبثية فان الإستنتاج يفرض نفسه . فبقدر ما تتطلب مصلحة عمال المتروبولات الإطاحة بالنظام الرأسمالي في بلدانهم لا الإبقاء عليه ، فان التحرر الكامل للعالم الثالث يضعف عدوهم رقم واحد ألا وهو برجوازيتهم الامبريالية ويسهم موضوعيا بالتالي في تحررهم . هذه هي قاعدة الأممية البروليتارية. وحدة المصالح التاريخية والصراع ضد عدو واحد .
أما حين نتخلى عن هذه القاعدة المبدئية لنضيع في متاهات “الظواهر المباشرة” ، فمن الممكن التحجج أيضا بان هناك ، داخل كل متروبول من المتروبولات تعارضا بين “المصلحة المادية” للعمال المهرة ومصلحة العمال غير المهرة ( فبمحاولة “غير المهرة” دخول سوق “المهرة” يخاطرون بتخفيض الأجور)، كما تتعارض مصلحة العمال الذين وجدوا عملا مع مصلحة العاطلين عن العمل ، ومصلحة الراشدين مع مصلحة الشباب الخ . ..
“فالمصلحة المادية” تغدو في هذه الحال مرادفا “للتنافس بين العمال” ، أي مرادفا لقصر النظر . وفي هذا إنكار ليس فقط للأسس المادية للأممية بل لأسس الصراع الطبقي بالذات . لان الوعي الطبقي يبدأ يوم ندرك أن المصلحة المادية، حين ننظر إلى ابعد من أنوفنا ، تتطلب العمل المتضامن لكل البروليتاريين ضد عدو كلي القدرة ، وتتطلب تجاوز الفروقات الفئوية بين العمال ليس باسم أي “مثال أعلى” مجرد ولكن بالضبط باسم المصلحة الطبقية المادية (التي تتعدى مصلحة المجموعة والاتحاد والقطاع والعرق الخ ) .
إن المصلحة الطبقية المشتركة بين بروليتاريي المستعمرات المتروبولات ضد البرجوازية ليست موضع شك . وهناك قسم كبير من شغيلة المتروبولات ليس واعيا دائما لذلك لأنهم تحت تأثير إيديولوجيات الطبقة المسيطرة ، لكن مهمة الماركسيين ليست التكيف مع هذه التأثيرات ، ولا هي على وجه الخصوص إيجاد “التبرير المادي” لذلك ، إنما مهمتهم محاربتها .
مكسيم رودنسون وارنست مَاندل
ترجمة : هيكل نعمة اللّٰه
هوامش:
(1) «حصيلة المناقشة حول حق الأمم في تقرير مصيرها » . المؤلفات الكاملة – المجلد ٢٢ – ص ١٣٨
(2) حتى بعد الثورة الاشتراكية !
(3) “حصيلة المناقشة … ” – ص ١٧١
(4) لا يرد رودنسون هنا على ماندل ، وإنما على مستمع هو فيكتور سيجلمان ، الصحفي الإسرائيلي الذي ينسب نفسه إلى اليسار . فقد قال في المناقشة إن من الأخطاء التي يرتكبها الماركسيون محاولتهم لوضع النزاع الإسرائيلي – العربي في مقولات محددة كمقولات الأمة الظالمة والأمة المظلومة . وكان رأيه أن ثمة ترابطا جدليا بين هاتين المقولتين . فصحيح إن إسرائيل تضطهد العرب ، ولكن من الصحيح أيضا في رأيه أن العرب يضطهدون إسرائيل لأنهم لا يقرون لها بحقها في الوجود كأمة . وعلى هذه الفكرة يرد رودنسون .
(5) كان جورج غوريللي ، الأستاذ في جامعة بروكسل ، والتروتسكي السابق ، قد شارك في الندوة . وقد قال في مداخلته الثانية أن هناك حالات من الاضطهاد القومي غير واضحة كل الوضوح ، وبالتالي لا مجال فيها للتمييز تمييزا مطلقا بين الظالمين والمظلومين ، وذلك كما في النزاع الإسرائيلي – العربي على حد تقديره .
(6) سيباي : مقاطعة في الهند تمرد سكانها على الانكليز في عام ١٨٥٧ .
(7) جورج غرينباس : مستمع آخر شارك في النقاش ، وقد تساءل عما إذا كان مفهوم البروليتاريا الغربي يصلح للتطبيق على العالم الثالث.
(8) مستمعة أخرى شاركت في المناقشة ، وكان رأيها أنه إذا كان التمييز بين قومية الشعب الظالم وقومية الشعب المظلوم صحيحا ، فهذا لا يستتبع ضرورة تأييد جميع تظاهرات القومية الاخيرة ، وذلك بخلاف ما يفعله الماركسيون منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في تأييدهم المطلق للنزعة القومية للعالم الثالث .
(9) كان ج. غرينباس قد لاحظ في مداخلته انه لا وجود ، منذ عام ١٩٣٠ ، لمؤلف نظري واحد يعادل في الاهمية مؤلفات ماركس أو لينين .
(10) سؤال طرحه مستمع عربي لم يذكر اسمه .