الموقع تجريبي

لا انتزاع للحريات الديمقراطية دون بناء ميزان قوى عمالي وشعبي

انتهت جولة تجديد مجلس النواب بإعلان النتائج النهائية لتوزيع المقاعد بين اللوائح والأحزاب الفائزة. وأكدت الحصيلة ما سعى إليه الحاكمون، من خلال تولي حزب الأصالة والمعاصرة المرتبة الأولى بفارق مريح، لترؤس حكومة واجهة تتولى متابعة تنفيذ سياسات المؤسسات المالية الدولية وخدمة استراتيجية الرأسمال الكبير للفترة الممتدة إلى سنة 2030.

كانت الانتخابات البرلمانية تنافساً بين أحزاب برجوازية ملكية لا تملك أي برنامج بديل، بقدر ما تسعى حثيثاً إلى نيل مناصب في حكومة واجهة. ولم يكن حزب العدالة والتنمية استثناءً من هذا السعي، إذ لم تشفع له إعلانات الولاء المتكررة، ولا قبوله تحمّل المسؤولية التاريخية عن المصادقة على اتفاق التطبيع مع العدو الصهيوني. فهذه التنازلات لم تحُل دون أن ينظر إليه الحاكمون باعتباره عبئًا ومصدرًا للتشويش على توجهاتهم وتحالفاتهم الإقليمية. ودخل إلى المنافسة الانتخابية تحالف اليسار بشعار أساسي قوامه إعطاء السلطة للمنتخب بدل المعين، في استعادة لشعارات المعارضة الاتحادية التاريخية التي انتهى “نضالها الديموقراطي” إلى الاندماج في بنية دولة الاستبداد.

شابت الانتخابات محاولات، للتزوير بطرق كانت رائجة في العقود السابقة، فضلاً عن استشراء شراء الأصوات، في الكثير من المناطق خصوصا القروية، وهو ما كان له دور مؤثر في النتائج المعلنة. كما تعرض حزب النهج الديمقراطي العمالي للقمع والتضييق على حقه في التعبير عن موقفه المقاطع للانتخابات في عدة مدن.

وجرت الانتخابات البرلمانية في ظل استمرار الاعتقال السياسي لعدد من المناضلين والمناضلات بسبب مواقفهم وآرائهم السياسية، من بينهم معتقلو حراك الريف، ومعتقلو حراك جيل زد، وعدد من نشطاء صفحات التواصل الاجتماعي، مثل سعيدة العلمي واخرون، فضلاً عن المتابعات في حق عديد من الفنانين الشباب (موسيقى الراب، الرسم الساخر). كما لا تزال عشرات الجمعيات والهيئات محرومة من وصل التصريح القانوني، وتعاني الصحافة المستقلة من التضييق والمتابعات. أما الحريات النقابية، فقد نصب القانون المنظم للإضراب المشنقة للقضاء على القليل من مكاسب عقود من النضالات العمالية.

إن الحريات الديمقراطية تتعرض للدهس والتقليص، إلى درجة أنها أصبحت متاحة، في جانب كبير منها، فقط لمدح النظام وسياساته وتبرير نواقصه. لكن قمع الحريات يجري بدهاء وبجرعات انتقائية؛ فالنصوص القانونية، بدءاً من دستور 2011 الممنوح، تشدد على ضمان الحقوق الأساسية وممارسة الحريات العامة، لكن الاستثناءات والنصوص التنظيمية تفرغ تلك الحقوق من مضمونها، ويأتي القانون «الفعلي» الساري في أرض الواقع ليجعلها مجرد ادعاءات فارغة. أما ما يُطبَّق عملياً، فهو تكميم للأفواه، وتكبيل للحريات، وقمع للتنظيم، وتسطيـر لخطوط حمراء يُجرَّم تخطيها.

هذه هي آليات الاستبداد لضبط المجتمع وتقييد قدرة الطبقة العاملة والجماهير الشعبية على التنظيم والتعبير والاحتجاج للدفاع عن مصالحهم وخوض نضالاتهم.

لذا فالنضال من أجل الحريات الديمقراطية وتوسيعها، يشكل جزءً لا يتجزأ من الصراع الطبقي لتطوير تنظيم الطبقة العاملة والجماهير الشعبية ووعيها، ويساهم في سيرورة بناء القوة اللازمة لفتح الطريق أمام تغيير جذري للمجتمع. فطموح التحرر الشامل من النظام الرأسمالي، بما يخلفه من كوارث على الإنسانية والطبيعة، يستحيل تحقيقه دون أن تراكم الطبقة العاملة والجماهير الكادحة الخبرة والتنظيم والثقة بالقوة الجماعية في مدرسة النضال لانتزاع حريتها في التنظيم والتعبير الحر، في ظل الاستبداد ونظام الاستغلال الرأسمالي نفسه.

وقد أكدت نضالات شعبنا، طيلة القرن الماضي، أن فرض الحريات الديمقراطية الواسعة لا سبيل إليه إلا عبر بناء ميزان قوى عمالي وشعبي لخوض نضال طبقي حازم ضد الرأسمال الكبير وركيزته: الاستبداد السياسي. وتلك هي ضمانتنا الوحيدة لتحرر شعبنا.

المناضلة الاشتراكية

02 أكتوبر 2026

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟