الموقع تجريبي

خفض ساعات عمل عمال الحراسة من 12 إلى 8 ساعات في اليوم، ضجة  فاضحة لإخفاء جريمة دامت سنوات

صرح وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولات الصغرى والشغل والكفاءات، يوم الجمعة 17 أبريل 2026 عن  “اتفاق بين الحكومة والنقابات والاتحاد العام لمقاولات المغرب والكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية (كومادير)، يقضي بتعديل مدونة الشغل وإنهاء استثناء دام أكثر من عشرين سنة، كان يفرض على حراس الأمن الخاص العمل بنظام 12 ساعة”. وهو ما يعد اعترافا علنيا بأن شريحة من شغيلة المغرب لا تزال محرومة من حق انتزعته الحركة العمالية منذ القرن التاسع عشر.

 وننشر في هذا السياق مقالا يتناول هذا الموضوع بالتحليل، يعقبه مقال حول تجربة راهنة خارج الحدود (البرازيل) رفعت شعار خفض ساعات العمل الى خمس ساعات يوميا، عبر حملة ضغط ودعم شعبي واسع،وقد حققت هذه التجربة، في سياق مناسب، انتصارا أوليا من خلال المصادقة على نص تشريعي في البرلمان، قبل إحالته على مجلس الشيوخ، فيما لا يزال الضغط مستمرا لإفشال محاولات أرباب العمل الرامية الى عدم المصادقة عليه.

 المناضلة الاشتراكية


 

على أبواب الإدارات والمؤسسات العمومية وداخلها وعلى أبواب المؤسسات الاقتصادية الصناعية والخدماتية وداخلها، وبأوراش البناء لا بد أن تجد أجيرا متعدد التخصصات،  من مهام الحراسة إلى الارشادات إلى التنقل بين المكاتب، قاسمهم المشترك هو فرط الاستغلال وسوء ظروف العمل ، أجور متدنية وأدوات عمل متهالكة وحماية اجتماعية ناقصة أو شبه معدومة.

 

استغلال بشع: يوم عمل طويل وأجور هزيلة

تشير التقديرات إلى أن عدد حراس الأمن يتراوح بين نحو 400 ألف عامل (1) ومليون ومئتي ألف أجير (2) يستعبدون بيوم عمل من 12 ساعة وبأجر لا يصل للحد الأدنى القانوني على غرار ما كانت الرأسمالية الصاعدة في القرن التاسع عشر تمارسه ضد عمال الصناعة والمناجم والخدمات، وعلى غرار ما كان يخضع له عبيد المزارع والمناجم في أمريكا.

علما أن قانون الشغل المغربي يحدد مدة العمل القانونية ب 44 ساعة في الأسبوع، في الأنشطة غير الفلاحية وب48 ساعة في الأسبوع في الأنشطة الفلاحية حسب المادة 184 من مدونة الشغل.

جاء في المادة 3 من مدونة الشغل:

تظل فئات الأجراء الآتي ذكرها، خاضعة لأحكام الأنظمة الأساسية المطبقة عليها،  لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن تقل عما تنص عليه مدونة الشغل من ضمانات :

أجراء المقاولات والمؤسسات العمومية التابعة للدولة والجماعات المحلية؛ البحارة؛ أجراء المقاولات المنجمية؛ الصحفيون المهنيون؛ أجراء الصناعة السينمائية؛ البوابون في البنايات المعدة للسكنى.

تخضع الفئات المذكورة أعلاه، لأحكام هذا القانون، في كل ما لم يرد النص عليه في الأنظمة الأساسية المطبقة عليها. يخضع أيضا لأحكام هذا القانون، الأجراء المشتغلون في المقاولات المنصوص عليها في هذه المادة، والذين لا تسري بشأنهم أنظمتها الأساسية.كما يخضع لأحكام هذا القانون أجراء القطاع العام الذين لا يسري عليهم أي قانون.

واضح من هذه المادة أن قانون الشغل يسري على عمال الحراسة، وعموما يعتبر قانون الشغل فيما يخص الأجراء حدا أدنى لا يجب أن يُشَغل أحد بأقل من مزاياه، فالمادة 3 المنوه إليها أعلاه تبطل وجود أنظمة أساسية تنص على أقل  من ما هو منصوص عليه في مدونة الشغل. وهذا ما تأكده المادة 6 من القانون  رقم 27.06 يتعلق بأعمال الحراسة ونقل الأموال بطريقة غير مباشرة. حيث يحق للأجير الذي لم يحترم في تشغيله مقتضيات المادة 5 من نفس القانون تعويض عن الفصل طبقا لما نصت عليه مدونة الشغل.

إنها جريمة مكتملة الأركان، تشارك و تستفيد منها طبقة رأسمالية نهابة (3). فعندما يشتغل ما بين 400 ألف ومليون ومئتي ألف أجير 12 ساعة في اليوم فهذا يعني أن الطبقة الرأسمالية تستفيد خارج أي قانون، غير قانون الغاب الرأسمالي، من200 ألف  إلى  600 ألف يوم عمل مجاني. فكيف لا تغتني هذه الطبقة وكيف لا يعم البؤس شريحة واسعة من الشعب؟

 

خرق فاضح للقانون واضطهاد لعمال الحراسة تحت أنظار مؤسسات الدولة البورجوازية

يشار إلى أن هذه الجريمة تقوم بها نحو 12 ألف شركة،  حوالي خمسة ألاف منها لا تتوفر على التراخيص القانونية (4) . وهي شركات مناولة ووساطة تشغل عمال حراسة بأجور زهيدة، داخل المؤسسات العمومية والخاصة في مختلف القطاعات، بعد حصولها على صفقات المفترض أنها تحترم القوانين وفي مقدمتها قانون الشغل.

والأكثر بشاعة هو أن  سبعون شركة فقط تحترم المادة 482 من مدونة الشغل، فقد “اعترف يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى و الشغل والكفاءات، أمام مجلس المستشارين، بتحايل شركات المناولة في الحراسة على القانون  موضحا في تجاوبه مع نواب الغرفة الثانية للبرلمان إلى قانونية تراخيص ما يناهز 70 شركة فقط” (5).

يستفيد من هذه الوضعية رأسماليين كبار محليين، ومسؤولين أمنيين أو عسكريين متقاعدين، والشركات الدولية متعددة الجنسيات التي تستحوذ على حصة مهمة من الصفقات الكبرى والمؤسسات الحساسة (كالمطارات، الشركات الصناعية الكبرى، والسفارات). وهناك حفنة من شركات كبرى تسيطر على الصفقات العمومية الكبرى، خصوصًا في قطاعات التعليم والصحة.

كيف أصبح الإعلان عن تطبيق قانون صدر قبل أكثر من عشرين إنجازا في الحوار الاجتماعي؟

عقب جولة “الحوار الاجتماعي” يوم الجمعة 17 أبريل 2026 ، صرح وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولات الصغرى والشغل والكفاءات،  لموقع (6) Le360 ، بتفاصيل الإجراء الرامي إلى خفض مدة عمل حراس الأمن الخاص من 12 إلى 8 ساعات يوميا.

وحسب ما جاء في موقع Le360 فقد وقع “اتفاق بين الحكومة والنقابات والاتحاد العام لمقاولات المغرب والكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية (كومادير)، يقضي بتعديل مدونة الشغل وإنهاء استثناء دام أكثر من عشرين سنة، كان يفرض على حراس الأمن الخاص العمل بنظام 12 ساعة”.

تنص المادة 193 من مدونة الشغل، على أنه : يؤدى الأجر عن الساعات التي تقضي في الشغل، طبقا للمادتين 190 و192 أعلاه، بسعر الأجر المؤدى عن مدة الشغل العادية، إلا إذا تم إعطاء الأجير في مقابلها راحة تعويضية، أو إذا كانت تلك الساعات :

 – مقررة لإعطاء الأجير مهلة لتناول وجبة طعامه، إذا كان وقت الطعام يتخلل وقت الشغل؛

 – معدة بحكم طبيعة الشغل المتقطعة، بحيث تطابق ساعات حضور، لا ساعات شغل فعلي، وذلك إذا تخللت ساعات الشغل فترات استراحة طويلة، خصوصا الشغل الذي يؤديه البوابون في البنايات المعدة للسكن، والمراقبون، والحراس، والمشتغلون في المقاولة بإطفاء الحريق، أو بتوزيع البنزين، والمشتغلون بالمصلحة الطبية للمقاولة“.

كانت هذه المادة مطية للتحايل المفضوح لتسويغ أبشع أنواع الاستغلال، وهو تحايل يتم بمباركة دولة أرباب العمل وكل جهازها الرقابي. فحراسة مدرسة (يشغل قطاع التربية الوطنية وحده حوالي 25 ألف حارس عبر صفقات مع شركات مناولة) أو مستشفى أو مؤسسة بنكية عمل دائم وغير متقطع. وكيف تكون حراسة الأوراش والموانئ والمطارات عملا متقطعا وهي تعمل ليل نهار… إنها حيل البورجوازية لخفض كلفة العمل المأجور بالنصف كما اعترف بذلك الوزير السكوري حيث أن تطبيق قرار خفض ساعات العمل «سيترجم إلى ارتفاع في التكاليف يقدر بين 40% و50% بالنسبة للآمرين بالصرف، سواء في القطاع العام أو الخاص» (7).

 

بشاعة رأسمالية القرن التاسع عشر مازالت مستمرة

تجدر الاشارة إلى أن مطلب يوم العمل من ثماني ساعات  أصبح  سنة 1866 ضمن مطالب الأممية الأولى التي تأسست سنة 1864،  وجعلت الأممية الثانية من نفس المطلب أحد أبرز شعاراتها للإضرابات العمالية لفاتح ماي بدأ من سنة 1890. وباستثناء استراليا، لم يحصل العمال على هذا المكسب في البلدان الرأسمالية الكبرى  إلا عقب الحرب  العالمية الإمبريالية الأولى، وبضغط من الثورة الاشتراكية في روسيا التي لبت هذا المطلب للحركة العمالية بشكل فوري، و كذا بضغط من نمو في قوة الحركة العمالية النقابية والسياسية وظهور الأحزاب الشيوعية (8).

وإذا كانت مدة العمل الأسبوعية القانونية في المغرب  اليوم هي 44 ساعة فإن أرباب العمل يسمح لهم باستثناءات عدة على مستوى القانون وباستثناءات كبرى على مستوى الواقع الفعلي. وبدل أن يتم التوجه لخفض ساعات العمل الأسبوعية إلى أقل من 40 ساعة في الأسبوع دون الخفض من القدرة الشرائية، مع منع الساعات الإضافية وإدماج المعطلين بدل ذلك، نجد أن الدولة المشغلة تسعى لدفع أجرائها لزيادة عدد ساعات العمل الأسبوعية بمبرر سد الخصاص في عدد الموظفين. إنها حيلة لإطالة يوم العمل وعدم رفع الأجور. والحفاظ على جيش من المعطلين للضغط على العاملين وتذكيرهم أن هناك دوما من هو مستعد للعمل بأجر أقل وفي ظروف أسوأ.

 

الأمل في النضال العمالي

إذا كان التصريح بالتوجه نحو خفض ساعات عمل أجراء الحراسة قد تم، فإن جعله أمرا واقعا لا يزال بعيدا، ويستلزم مزيدا من رص صفوف العاملات والعمال وخوض النضال لأجل ضمان تطبيقه. كما يجب النضال من أجل إلغاء شركات المناولة في القطاعين العام (9) والخاص وجعل عقود العمل غير محددة المدة هي الأساس و إدماج أجرائها في المؤسسات التي تشغلهم، بكافة الحقوق في الضمان الاجتماعي والأقدمية والتغطية الصحية. وكذا تعديل القوانين المجحفة في حق الشغيلة.

إن أحد أوجب واجبات الحركة العمالية النقابية و السياسية هو النضال من أجل خفض عدد  ساعات العمل الأسبوعية بالشكل الذي ينهي معاناة الملايين من العاملات والعمال مع طول يوم العمل، ويفتح الباب لتشغيل المعطلين والمعطلات ويمهد الطريق لنضالات عمالية من أجل تحسين شروط  بيع قوة .

 

بقلم: أيوب

 


مراجع:

(1) حسب ما ورد في مقال حراس الأمن الخاص: تقليص ساعات العمل من 12 إلى 8.. إصلاح تاريخي بآثار اجتماعية ومالية كبرى المنشور على:

https://ar.le360.ma/politique/6M4VEE2R4RAMJFHDWCFRAC4Q5U/

(2) حسب تصريح رشيد الشريف الادريسي رئيس جمعية الاتحاد الوطني لحراس الأمن الخاص بالمغرب

https://snrtnews.com/article/134959

(3) ازداد عدد أصحاب الثروة التي تفوق ثلاثون مليون دولار م 305 سنة 2021 إلى 432 ثري سنة 2026 بنسبة زيادة وصلت 41 في المئة حسب تقرير “الثروة العالمي” الصادر عن مؤسسة “نايت فرانك”.

https://lakome2.com/decryptage/416498/

(4) حسب تصريح رشيد الشريف الادريسي رئيس جمعية الاتحاد الوطني لحراس الأمن الخاص بالمغرب

https://snrtnews.com/article/134959

(5) حسب ما ورد بوقع القانة التلفزية الثانية:

https://2m.ma/ar/news/70-شركة-مرخصة-فقط-السكوري-يعترف-بتجاوز-شركات-الأمن-الخاص-للقانون–20230126

(6)https://ar.le360.ma/politique/6M4VEE2R4RAMJFHDWCFRAC4Q5U/

(7) مرجع سابق

(8) La journée de 8 heures, ou revendication à travailler au maximum 8 heures par jour, est une revendication historique des mouvements ouvriers dans tous les pays.

https://fr.wikipedia.org/wiki/Journ%C3%A9e_de_huit_heures

(9) في تونس صادق مجلس نواب الشعب فجر اليوم الأربعاء  21 ماي 2025، على مشروع القانون المتعلق بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة، حسب ما جاء على الموقع الالكتروني للاتحاد العام التونسي للشغل:

https://www.ugtt.org.tn/2025/05/21/مجلس-النواب-يصادق-بـ-121-صوت-على-مشروع-قان/

 

 

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟