تواجه مناطق الواحات تهديدات عدة بفعل تأثيرات التغيرات المناخية، أحد أبعاد الأزمة الرأسمالية الكوكبية. ويتأثر النظام البيئي للواحات بشكل حاد لميزاته المناخية الخاصة، وتتجلي أساسا في المناخ الجاف وقلة التساقطات المطرية، وشح المياه الباطنية. وتنضاف لعوامل التدهور البيئي الذي تتسارع وثيرته، سياسة الدولة الاقتصادية والاجتماعية، التي ترى في الواحات مجالا للاستثمارات الخاصة. ويتسع غزو الرساميل الخاصة المحلية والأجنبية لمناطق قروية شاسعة وممتدة ومنها الواحات، وحلت الأنشطة الاستخراجية التصديرية الضخمة مكان الأنشطة الفلاحية المعاشية، التي تشكل القاعدة الاقتصادية لاستقرار السكان في بيئاتهم المحلية. يواجه سكان الواحات اليوم تظافر هذه المخاطر، ويعد تنامي هجرة سكانها، لاسيما فئة الشباب نحو المدن بحثا عن لقمة العيش، إحدى العواقب المباشرة لتفاقم الظلم البيئي والاقتصادي والاجتماعي.
تعد فجيج إحدى واحات المغرب المعروفة بغنى وتنوع خصائها المجالية، ويشكل الماء وطريقة تدبيره أساس الحفاظ على حياة المجتمع المحلي بهذه المنطقة الحدودية. لقد توارثت أجيال من السكان نمط تدبير المياه وركموا معارف وخبرات مكنتهم لقرون من الإبقاء على المياه رغم شحها وقساوة الظروف المناخية. ويقوم نظام تدبير وتسير الماء في فجيج على التضامن والتعاون الجماعي، حيث قام السكان ببناء السواقي والخطارات لتوزيع مياه السقي والشرب بشكل متساو وعادل. ولتطور استعمالات الماء تم إنشاء صهاريج لتجميع المياه قرب التجمعات السكانية لإمداد الأسر التي اتسعت حاجاتها للماء. وتلعب النساء دورا رئيسيا في الحفاظ على هذا التدبير المحكم لهذا المورث المائي الجماعي المشترك. وتبقى علاقة النساء بالأرض والماء وثيقة وعريقة، فكل الأنشطة المنزلية والزراعية التي تقمن بها والضرورية لاستمرار الحياة على الواحة تعتمد على ولوجهن للماء والأرض، وهذا ما أتاحته طرق تدبير توزيع مياه الشرب والسقي الآتية من فرشة مائية باطنية واحدة.
ما الذي يجعل النساء ينخرطن بقوة في حراك فجيج الشعبي؟
اندلعت الاحتجاجات في فجيج بعد تصويت المجلس الجماعي على قرار الانضمام لمجموعة الجماعات الترابية والذي يعني تفويت تدبير المياه لشركة الشرق للتوزيع. وانخرطت النساء في هذا التحرك الشعبي مند انطلاقه وشكلن قاعدته الصلبة، ولازلن يشاركن بنفس الزحم دون ملل ولا كلل بعد مرور سنتين على هذا الحراك والذي لازال مستمرا. خبرت النساء من خلال الأدوار المسنودة لهن اجتماعيا أهمية الحفاظ على الماء ملكية جماعية. ويدركن بعمق الانعكاسات الوخيمة لخوصصة حق الولوج للماء على حياتهن اليومية. تشكل النساء أغلبية السكان الذين لم يهاجروا، وبقين يقاومن واقع التهميش والتفقير ويسهرن على تلبية حاجيات أسرهن، بما فيها تدبير موارد العيش المتاحة لهن. ويعد هذا الواقع إحدى الأسباب التي تفسر تبوأ النساء وبقوة الصفوف الأولى للحراك الشعبي.
لا تنحصر أهمية استعمال الماء بالنسبة للنساء في القيام بأنشطة العمل المنزلي فحسب، فهن علاوة عن ذلك يمارسن أنشطة زراعية معاشية ويساهمن في تربية الماشية، ويقمن بدور كبير في تحصيل وتدبير الغذاء الذي يوفره النشاط الاقتصادي للواحة. لهذا تتصدى نساء فجيج بقوة لتحويل مياه واحتهن إلى سلعة تستولي عليها الشركة لاستخراج الأرباح، لأن ذلك يعني بالنسبة لهن تعديا على إحدى حقوقهن الأساسية، بل والحكم على حياتهن وحياة الواحة بالانقراض.
ليس نضال نساء فجيج وليد اللحظة، بل منغرسا في ذاكرة النضال الجماعي الذي خاضه الأهالي مند سنوات الاستعمار وما بعده، وإبان النضال ضد الاستبداد والقمع في سنوات الجمر والرصاص. وكانت النساء حاضرات في الحراك الذي شهدته المنطقة في 2011، وخرجن في احتجاجات ضد مخطط تصميم التهيئة في 2018، والذي قلص المجال الترابي لمنطقة فجيج حتى تم تعديله. وتواصل نساء فجيج نضالهن إلى اليوم دفاعا عن سيادة الأهالي على مواردهن المحلية.
تمتاز نساء فجيج بولوجهن المبكر للتعليم، وأغلبيتهن يعرفن القراءة والكتابة، ومنهن من تدرجن في أسلاك التعليم الثانوي والعالي، ومن بينهن من يشتغلن الآن في التدريس بالمنطقة. وتعود أول مدرسة تم إنشاؤها في فجيج إلى سنة 1946، وأنشأ أهالي فجيج بفضل التضامن والتعاون جمعية الصندوق المدرسي في 1958 وكانت تتكلف بتوفير اللوازم الضرورية للتمدرس، وأتاحت بذلك الولوج المتساوي لكلا الجنسين للتعليم.
تعد هذه الخصائص مجتمعة قوة دافعة لانخراط نساء فجيج القوي في الدفاع عن المياه ضد تسليعها، والمطالبة برفع التهميش عن المنطقة. واكتسبن، من خلال اشتباكهن السابق والحالي مع واقعهن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ذهنية المقاومة الجماعية.
عبر تجارب النضال تكتشف النساء قوتهن والحاجة لتنظيمها.
أدركت النساء من خلال انخراطهن في الحراك أهمية أن يتواجدن مع بعضهن البعض، وأن يواجهن واقعا اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا دفاعا عن مطلب جماعي يوحدهن، وتعي نساء فجيج أن انخراطهن الجماعي نقطة قوة كبيرة في هذه التجربة النضالية. ورغم أعباء أنشطة إعادة الإنتاج الاجتماعية التي تتحملها نساء هذه المنطقة كغيرهن من النساء في مجتمع رأسمالي ذكوري، يشاركن بنشاط وفعالية في التجمعات والوقفات والمسيرات، وهن ممثلات فعليا رغم قلتهن العددية في التنسيقية المحلية للترافع عن قضايا فجيج. ويشاركن في التعبئة والتنظيم والحوار، وتمكنت النساء في فجيج بفضل نضالهن الميداني من اكتساب خبرات ومعارف غنية وعملية تعينهن على فهم تفاصيل المعركة التي ينخرطن فيها ضد خوصصة الماء.
يشكل انخراط النساء في النضالات العمالية والشعبية فضاءًا يتشكل فيه وعيهن الجماعي بأهمية تنظيم قوتهن، وعبر تجارب نضالهن الجماعية يكتشفن أن المجتمع الرأسمالي الذكوري يضطهدهن ويستغلهن على نحو خاص. وتتجسد النسوية التي نتبناها فكرا وممارسة في تجارب نضالات نساء الطبقة العاملة، وكل أقسام النساء الكادحات، هؤلاء اللواتي يتحملن عبء إعادة إنتاج واستمرار مجتمع القهر الرأسمالي. ومن هؤلاء ستتشكل حركة نسوية تنخرط في سيرورة نضال تحرر البشرية من كافة أشكال الاضطهاد الطبقي والجندري والعنصري.
بقلم: عهد