الموقع تجريبي

تأبين للفقيد محمد حربي

غادرنا محمد حربي أمس (فاتح يناير 2026) عن عمر يناهز 92 عاما، بعد أن بصم تاريخنا بنضاله الثوري وإسهاماته الكبيرة في كتابة هذا التاريخ. كان حربي ناشطا منذ شبابه في حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية، الحزب الوحيد الذي كان ينادي بالاستقلال في ذلك الوقت، وانضم إلى جبهة التحرير الوطني منذ نوفمبر 1954. جسد، مع صديقه حسين زهوان والعديد من الآخرين، “يسار جبهة التحرير الوطني” بعد الاستقلال. كان قريبا جدا من الأممية الرابعة ومن قائدها الشهير في ذلك الوقت ميشيل رابتيس، المعروف باسم بابلو.

ناضل محمد حربي، في تلك السنوات من الصراع على السلطة، برفقة أصدقائه اليساريين لأجل تحويل السيادة الوطنية إلى سيادة شعبية، خاصة من خلال الحركة الرائعة للتسيير الذاتي في السنوات الأولى للاستقلال. كانت الثورة الاجتماعية قلب هذا النضال.

في إطار دينامية “ثورة دائمة”، اتخذت شكلها في مواجهة التيارات اليمينية المحافظة والبيروقراطية البرجوازية الشعبوية والاستبدادية في السلطة، نظمت النواة الصلبة لجيش الحدود انقلابا في 19 يونيو 1965.

ولأجل مقاومة هذه الثورة المضادة بقيادة بومدين، أعلن حربي وأصدقاؤه عن ميلاد منظمة المقاومة الشعبية، التي تجمعت فيها تيارات يسارية أخرى، خاصة تلك المنبثقة عن الحزب الشيوعي الجزائري. ذاق بعد ذلك، لمدة ثماني سنوات، مرارة السجن حتى هرب منه في 1973. منذ ذلك الحين، عاش منفيا في فرنسا وكرس حياته للتدريس في الجامعة ولأعماله القيمة حول تاريخ الحركة الوطنية وحرب التحرير، حيث امتلأت بتحاليله حول طبيعة النظام والدولة الجزائرية بعد الاستقلال.

بعد الانفتاح الذي أعقب انتفاضة أكتوبر 1988، بعد ربع قرن تقريبا على اعتقاله ومنفاه، عاد حربي إلى بلده وشعبه من خلال بعض المحاضرات التي ألقاها بنفس الصرامة العلمية والوضوح السياسي الذي ميزه. كان ذلك في سياق تميز بدينامية ثورية جديدة، حملتها أجيال شابة.

وفاته خسارة كبيرة لنا ولجميع الذين يناضلون من أجل التقدم، الحريات، والعدالة الاجتماعية، وضد الاضطهاد الاستعماري والإمبريالي، في عالم محكوم بنظام رأسمالي فوضوي بربري وآفل.

في إحدى آخر مقالاته، المنشورة في مجلة À Contretemps في مارس 2019، خلال الموجة الثورية للحراك الشعبي في الجزائر، وقع حربي مع صديقه نجيب سيدي موسى تحليلا دقيقا وصارما يلخص بحد ذاته التفكير الثوري لهذا الناثر لبذور للمقاومة والأمل للإنسانية بأسرها. أنشر هنا هذه المقالة نظرا لأهميتها وجِدتها. أوصيكم بشدة بقراءتها و إعادة قراءتها.

فلترقد بسلام محمد حربي. لقد كنت، إلى جانب حسين زهوان، رفيقنا القديم وأخونا الكبير في النضال الثوري.

——

تمثل الانتفاضة الشعبية في 22 فبراير قطيعة كبيرة في تاريخنا وفي تاريخ المغرب العربي. يتعلق الأمر بتوطيدها وتوسيع مجال الممكن فيها. حقق الجزائريون اليوم انتصارا أوليا. مهمتنا الرئيسية هي استخلاص العبر من انتفاضة أكتوبر 1988 وتجنب “تحويل المسار” مرة أخرى، أي الاستيلاء على السيادة الشعبية التي هي أصل الاستبداد في شكله الحالي.

نحن أمام أزمة جديدة للنظام، لكن الشعب الجزائري اتخذ قراره. جبهة التحرير الوطني انتهت، والولاية الخامسة أيضا. لا يمثل إعلان الرئيس في 11 مارس 2019 إلا تصديقا على هذا الوضع. تُقترح، هنا وهناك، بدائل سياسية من قبل الديمقراطيين باسم التغيير. لكن مصالح الطبقات الشعبية نادرا ما تؤخذ بعين الاعتبار. رغم أنها تعاني أكثر من غيرها من الإهانة، وإساءة استخدام السلطة، والحكرة. هذه الآفات تميز كل المغرب العربي. لهذا السبب، بعد الثورة التونسية وحركة 20 فبراير 2011 في المغرب، يتردد صدى الوضع الجزائري بقوة لدى كل الذين يتوقون إلى الكرامة.

يجب علينا الحذر، دون الاستسلام لروح الانتقام، من أن يحاول أنصار الوضع الراهن السابقين العودة باسم انتقال يعيد إحياء النظام القديم وممارساته (الفساد، المحسوبية، النهب، إلخ).

الديمقراطية، التي يطالب بها الجميع الآن بصوت عال، هي عكس التوافق الذي نعاني من عواقبه. دعونا نتذكر أنه كان دائما صرخة تجميع للطبقات الحاكمة.

الاهتمام بإقامة علاقات متساوية هو أساس الأخوة التي يحلم بها الشعب. لكن لإعطائها هيكلا، يجب القطع مع الإجماع الظاهري الذي يشكل عائقا أمام الوضوح وأمام تجميع القوى الشعبية.

يجب إعادة تأسيس الجمهورية، في قطيعة مع الميل إلى الاستبداد المرتبط بالملكية من قبل أطراف الانتفاضة الشعبية.

يجب التعبير منذ الآن على تطلعات الطبقات العاملة، التي تشكل النساء والشباب محركاتها، سيكون من الضروري احترام استقلاليتها التنظيمية والعملية. في هذا السياق، مساواة الجنسين أمر لا جدال فيه.

على عكس الفكرة القائلة بأن الجزائريين قد استيقظوا في 22 فبراير، فإن الأحداث الجارية هي في الواقع ثمرة سيرورة طويلة غذتها نضالات القوى الأكثر تصميما ودُفع ثمنها غاليا. حيث تم خوض العديد من النضالات القطاعية، خلال الفترة الأخيرة، في جميع مناطق البلاد، ولم تخاطر بالدخول إلى الميدان السياسي. سعت التنازلات المادية التي قدمتها الحكومة لشراء السلام الاجتماعي وتم تعويضها بالتضخم وغلاء المعيشة، مما يبرز أهمية شعار الإضراب العام لتجاوز التشتث والتشكل كقوة مستقلة.

إن اليد الممدودة من قبل الأوليغارشية للعمال صفقة خاسرة، نتيجتها دعم استمرار تبعيتهم للبرنامج النيوليبرالي. إن رجال الأعمال هم الذين يحتاجون إلى الكتلة الشعبية للضغط على السلطة من أجل الدفاع عن امتيازاتهم. في المقابل، العاطلون، الفقراء، والموظفون لا يحتاجون إلى الاعتماد على الأثرياء لتأكيد أهدافهم الخاصة.

تشكلت في الظل، منذ عام 2012 على الأقل، مجموعة تشمل سياسيي الزي الرسمي، والرئيس وعائلته، وكذلك رجال الأعمال. هذه المجموعة هي التي دعمت الدعوة إلى ولاية رابعة ثم خامسة. غطرستها هي أصل الانتفاضة الشعبية.

لنكن يقظين: فزاعة التدخل الأجنبي ليست ذات مصداقية. دعونا نتوقف عن البحث عن الشيطان خارج أنفسنا. الأزمة هي نتاج تعارض قوى اجتماعية وسياسية داخلية في الجزائر.

تم التعبير عن التطلع إلى تغيير جذري بشكل جماعي وبقوة في الشوارع، مما جعل النظام يترنح. السعي إلى الحرية، بالنسبة للغالبية العظمى من شعبنا، لا ينفصل عن السعي إلى المساواة. نحن إلى جانب الطبقات الشعبية في رغبتها في إدارة شؤونها بنفسها. لأنه لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية بدون أخذ تطلعاتها الخاصة بعين الاعتبار. نحن مؤيدون للتنظيم الذاتي للعمال، من خلال إنشاء جمعيات في الأحياء، القرى، والمدن، حيث يناقش الأفراد تولي جميع جوانب الحياة اليومية، بدون وساطة الدولة أو محترفي التمثيل. يتعلق الأمر بالذهاب إلى أبعد ما يمكن في تحدي النظام الرأسمالي، الأمني، الأبوي، والديني.

ورث بلدنا روح الحسبة، مراقبة الجميع للجميع. دعونا نقاومها باحترام الاستقلالية الفردية، وحرية الضمير، وحرية التصرف في جسده، ووضعه في حركة وإعادة امتلاك الفضاء العام معا، كما فعل الجزائريون والجزائريات بفرح. إن الطريق الذي يقود إلى التحرر الاجتماعي طويل لكن لا يوجد طريق آخر لتحقيق ازدهار كل فرد والمجتمع بأسره.

محمد حربي ونجيب سيدي موسى 11 مارس 2019

بقلم: محمد حربي

المصدر هنا

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟