سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر شمال اقليم دارفور غرب السودان. وجاء سقوط مدينة الفاشر بعد حصار دام عام ونصف، وبعد عدة هجمات عسكرية فاشلة لاقتحامها. وبذلك يفقد الجيش السوداني آخر مدينة كبرى تحت سيطرته في غرب السودان.
جرائم ضد الإنسانية في حرب الجنرالات
ارتكبت قوات الدعم السريع جرائم رهيبة منذ أن أحكمت حصار مدينة الفاشر مند مايو 2024 وقطعت طرق الإمداد بالمؤن والمساعدات الغذائية والأدوية، وبذلك استعملت سلاح الجوع ضد المدنيين العزل المحاصرين بين قوات مسلحة متحاربة. بعد إعلان قوات الجيش السوداني انسحابها اقتحمت المدينة من عدة جهات، ونفذت قوات الدعم السريع عمليات قتل جماعي لمدنيين عزل من نساء وأطفال وشيوخ بخلفية اثنية وقبلية انتقامية. قام عدة مسلحون بتوثيق الجرائم التي اقترفوها بكاميرا هواتفهم، كاشفين جزءا بسيط من الجرائم والفضاعات التي يتعرض لها الشعب السوداني. أثار نشر مقاطع تلك الجرائم غضبا عالميا دفعت قائد الدعم السريع حميدتي لإعلان تشكيل لجنة تحقيق فيما وقع بالمدينة على ضوء المجازر المروعة التي ارتكبتها قواته مع تهنأتها بالنصر المحقق المقرون بالوعيد.
تعتبر الجرائم ضد الإنسانية التي اقترفها الدعم السريع في الفاشر استمرار لمسلسل رهيب من المجازر التي ارتكبتها ميليشيات الجنجويد منذ 2003 إبان حكم الجنرال البشير،بل تُوجت كفصيل عسكري رسمي نظير جرائم القتل الجماعي، وحرق القرى وترحيل سكانها، والاغتصابات بالجملة، والنهب وإبادة قطعان الماشية، وحرق المزارع..الخ[1]. تلك الجرائم المتسلسلة في إقليم دارفور كان هدفها إحكام السيطرة على الثروة الهائلة التي يزخر بها الإقليم، وأساسا مناجم الذهب، والتحكم أيضا في معابر التجارة مع عدة بلدان باعتباره منطقة حدود وملتقى عبور استراتيجي. قام الجنجويد بحرب تطهير عرقي واثني مستفيدا من دعم اقليمي وامتدادات قبلية ببلدان الجوار، ومن دعم ورعاية نظام الديكتاتور البشير سابقا، الذي غدى العداء الشوفيني ضد السودانيين من أصول غير عربية وهو ما سرع من انفصال جنوب السودان 2011 ويدفع لتكرار الأمر نفسه مع اقليم دارفور (شرق السودان).
أدى الصراع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع الذي اندلع في أبريل 2023، الى “إلحاق أثارا وخيمة ومدمرة بالمدنيين ويُهلِك البلاد. فقد لقي عشرات الألاف من الأشخاص حتفهم في خضم النزاع وأصيب كثير آخرين. وفر أكثر من 11 مليون شخص من منازلهم، ومن بينهم 8.6 مليون شخص نزحوا داخليا. ولاذ أكثر من ثلاثة ملايين أخرين بالفرار كلاجئين إلى البلدان المجاورة، حيث يعيشون في ظل ظروف مزرية. يشهد السودان حاليا أكبر أزمة نزوح في العالم “[2].
لم ينل الشعب السوداني التضامن العالمي الضروري الكفيل بوقف الجرائم التي يتعرض لها من القوات المسلحة المتحاربة، وبقي وحيدا ضحية لصراع قوى رجعية تستفيد من دعم قوى خارجية، لا يمكن تفسير ذلك إلا بحقيقة اللامساواة العميقة الراسخة في درجة الاستجابة أمام الكوارث والمأساة الانسانية حسب هندسة تراتبية ظالمة، تكرس القهر على أساس الطبقة واللون والعرق والدين والجنس وكلها أبعاد لاضطهاد بغيض يحكم عالم اليوم.[3]
قيادة الجيش المتحاربة جزء من نظام الثورة المضادة
فنظام “الإنقاذ” بزعامة الديكتاتور عمر البشير حطم أكبر بلد افريقي مساحة، ومن أغناها بما يحوزه من ثروة طبيعية وموارد هائلة، وأنهكه بدورة حروب داخلية لا تنتهي بهدف وحيد إضعافه وإدامة خضوعه، وتيسير إحكام قبضته على رقاب الشعب، وإبعاد خطر الانقلاب ضده باطلاق العنان لقادة الجيش في نهب حصتهم من الغنيمة.
جاءت ثورة دجنبر2018 الشعبية، لتوجه الضربة القاصمة لتماسك الديكتاتورية الحاكمة، وتجبرها على التراجع إلى موقع الدفاع بوجه انتفاضة شعبية عميقة، التي ضربت حصارا على القصر الرئاسي والقيادة العامة والثكنات العسكرية، وشكلت لجان شعبية ونظمت الاعتصام المركزي في العاصمة وفي عدة مقاطعات. كانت الثورة الشعبية وجه السودان الآخر بتنوعه وطموحاته وحماسته وبشاشته وابداعه، نقيض سموم الانقسامية، والعنصرية، والفساد، ووصم السودان ببلد الحروب والنزوح والكوارث.
قام الجيش بازاحة عمر البشير في سعى منه لتفكيك صفوف الثورة الشعبية، لكن الأخيرة تعززت قواها وتجدرت مطالبها بشعار” ليرحلوا جميعا كلهم يعني كلهم”[4]. لجأ قادة الجيش حينا إلى القمع، بتنظيم هجومات فاشلة في محاولة لفك الحصار وتشتيت الاعتصام، ومن حينا آخر الى المناورة، بالقبول بحكومة مدنية وبمجلس سيادة مشترك بقيادتهم.
كانت قيادة الجيش القوة الضاربة لديكتاتورية عمر البشير، كانت هذه القيادة موحدة في عدائها للثورة الشعبية، لكن تخترقها صراعات مصالح بين قادتها انتهت إلى صراع مسلح بين البرهان قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة، وحميتي قائد قوات الدعم السريع ونائب رئيس مجلس السيادة. يخفى جنرالات الجيش المتصارعون دوافعهم الحقيقية الكامنة وراء جرهم البلد الى حرب مدمرة، تلك المصالح المضادة لطموحات شعب السودان، وراء شعارات كاذبة تنوح على خطر تقسيم البلد وخطر استعانة الخصم بقوى خارجية، والتنديد بالجرائم التي يقترفها الطرف المنافس. الخ، والحقيقة أن الفصيلين المسلحين يقودهما جنرالات حاربوا بشراسة ثورة الشعب السوداني المجيدة، وان استمرارهم في الحرب ودفع البلد الى حافة التفكيك، ليس إلا سعي للانتقام من جرأة الشعب السوداني على تحدي سيطرتهم، وأن هدفهم الأساسي اقبار جمرة الثورة والعودة للتفاهم على توزيع مفاصل الحكم وتقسيم الغنائم على أنقاض بلد مخرب ومقابر الضحايا ومعاناة الناجين.
تدخلات خارجية لدعم طرفى الصراع.
الديكتاتورية تجلب الاستعمار والدمار تلك مقولة تنطبق تماما على الحالة السودانية الحالية.
يقع السودان في منطقة استراتيجية على البحر الأحمر، كما يمثل حلقة وصل قاري في افريقيا، ويعتبر أكبر بلد افرقي مساحة ولقب دوما بسلة افريقيا الغدائية لما يتوفر عليه من أراضي زراعية شاسعة، وثروة حيوانية كبيرة، واحتياطات معدنية ضخمة. تلك مغريات تشد وحوش النهب والسيطرة. كان اندلاع الصراع المسلح فرصة سانحة للقوى الخارجية المتربصة بالسودان لاحتضان أحد طرفي الصراع وتموينه بالسلاح والعتاد والمساعدات مقابل تمكينه من صفقات مستقبلية، كتمكين شركات استثمارية، أو صفقات تجارية، أو انشاء قواعد عسكرية، أو تفاهمات حدودية. إلخ. تورطت بلدان عديدة في الصراع كل لحساباته الخاصة ووفق قدراته لكن أقوى المتدخلين هو الإمارات العربية المتحدة، ومصر، وسلطة شرق ليبيا، والتشاد، وروسيا، وطبعا مرتزقة من بلدان عديدة مثل كولومبيا. تزامن اشتعال نار الصراع المسلح وازدهار تجارة تهريب الذهب غير الشرعية لتمويل جزء من فاتورة الحرب الدموية. لقد أضحى السودان مرة أخرى ساحة حرب بالوكالة بين أنظمة رجعية تتكالب لتدمير بلد وتحطيم شعب تجرأ على الثورة ضد مضطهديه.
الثورة الشعبية علاج شاف من مرض الديكتاتورية العضال
لقد دفعت ثورة دجنبر 2018 السودان إلى تقيء كل السموم التي حقن بها طيلة عقود طويلة من السيطرة الديكتاتورية. وما يتعرض له من صنوف الهمجية التي يرتكبها الجيش بفصليه إلا دليل على درجة التسمم الخطير الذي أصاب السودان.
الحرب الدموية دمرت البلد وفككته بشكل عميق، وأغرقت الشعب في الجوع والامراض، والخوف وغياب الأفق، ما جعله هائمًا على وجهه بحثا عن الأمان.
يحتاج شعب السودان لتضامن أممي من شعوب العالم لفرض وقف فوري للحرب الاجرامية بين الجنرالات. وبتقديم مساعدات عاجلة بلا شرط تحت إشراف منظمات الإغاثة العالمية. وفرض دخول لجان تقصي الحقائق والاعلام العالمي لجميع المناطق لتجميع الدلائل وكشف الحقائق ومتابعة المجرمين على جرائمه قادة ومنفذين. وتأمين عودة اللاجئين-ات إلى منازلهم. لكن لشفاء السودان من أمراضه ولانقاده من الدمار والتقسيم ولوقف دوامة تجدد الحروب والانقلابات العسكرية لا مفر من انتصار الثورة الشعبية وتحقيق برنامجها كاملا عاجلا او آجلا.
بقلم : أحمد أنور
إحالات:
[1] – https://www.icc-cpi.int/sites/default/files/2023-07/230713-37th-report-darfur-ara.pdf
[2] – تقرير منظمة العفو الدولية بعنوان: لقد اغتصبونا جميعًا” العنف الجنسي ضد النساء والفتيات في السودان”، 2025.
[4] – https://www.alquds.co.uk/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%BA%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%91%D9%82-%D8%A8%D8%AE%D8%B4%D8%A8%D8%A9/