إن التضخم الدائم سمة أساسية من سمات الرأسمالية الآفلة. تسعى الرأسمالية المعاصرة من خلال استخدام تقنيات التضخم إلى تجنب تحول الأزمات الاقتصادية الدورية والحتمية (تسمى الآن مجازا “الركود”) إلى أزمات بحجم كارثي من قبيل أزمة 1929-32 :
- فمن خلال التلاعب بتضخم القروض للشركات بواسطة النظام المصرفي، تضمن الاحتكارات الكبيرة توفير الموارد المالية اللازمة لتنفيذ مشاريعها الاستثمارية العملاقة أكثر فأكثر.
- وبحفز التضخم في القروض الاستهلاكية (مبيعات بالإقراض) تسعى رؤوس الأموال الكبيرة لتسهيل تدفق أكوام من السلع التي يتم إنتاجها دون زيادة بالنسب المطلوبة في الأجور الفعلية للعمال.
- وعبر توسيع مستمر للإنفاق غير المنتج للدولة البرجوازية (الإنفاق العسكري في المقام الأول) تضمن الاحتكارات سيطرة على دفاتر التموين اللازمة لضمان أرباح الشركات العملاقة في الصناعة الثقيلة.
سيكون من العبث محاولة تحديد المسؤول “الرئيسي” عن التضخم: هل هو جشع الاحتكارات الصناعية للربح؟ هل هو الجري وراء الأرباح، وبالتالي السعي للتوسع في القروض المصرفية؟ هل هو سياسة الحكومات البرجوازية؟ هل هو سباق التسلح؟ كل هذا يأخذ بعين الاعتبار، لأن هذه الجوانب من الرأسمالية المعاصرة ترتبط ببعضها البعض ارتباطا وثيقا. يتم نشر أوهام خطيرة تدفع العمال إلى الاعتقاد بأنه سيتم القضاء على وحش التضخم باستبدال وزراء مالية “خاضعين للاحتكارات” بوزراء مالية “تقدميين”، أو إذا مارسنا فقط حتى النهاية “سياسة الانفراج ونزع السلاح”، أو إذا “خفضنا هوامش الربح”، الخ.
الحقيقة التي من غير السار سماعها، بلا شك، هي أنه لا وجود لوسيلة توقف التضخم دون إزالة النظام الرأسمالي. إن الشروط التي بموجبها فقط يمكن للرأسمالية المعاصرة، بشكل ما، أن تجعل التضخم معتدلا، ستكون شروطا كارثية على الطبقة العاملة: بطالة واسعة النطاق، وتجميد للأجور. ومع ذلك، علمتنا التجربة أنه حتى في هذه الحالة، فالآلة الجهنمية للتضخم ستتباطأ فقط ولن تتوقف بشكل نهائي.
هناك فكرة خبيثة بشكل خاص، تم نشرها من قبل خبراء البرجوازية، والتقطها جناح إصلاحي للحركة العمالية، وفقها، يجب على العمال تقديم تضحيات لوقف التضخم، لأنه يمسّهم أكثر من أي طبقة أخرى في المجتمع. يؤدي هذا التضليل إلى مقترحات ملموسة: سياسة الدخل، والحد التعسفي (أو بموافقة البيروقراطية النقابية) من الزيادات في الأجور الاسمية، والتحكم في الزيادة في الأجور، بشكل متناسب مع “التحكم” بدخل أرباب العمل الكبار والصغار (ما يسمى ب “المستقلين”) وبالأسعار.
في الواقع، يمكن التحكم في الأجور فقط، بشكل فعال من طرف الدولة البرجوازية، إذا سمحت النقابات والجماهير الكادحة بذلك. ولكن حتى الآن لم تنجح أي حكومة رأسمالية في التحكم بفعالية بالأسعار أو بأرباح أرباب العمل. في الاقتصاد الرأسمالي، لدى البرجوازية في الواقع ألف وسيلة لتمويه حساباتها، مثل التلاعب بالأرباح ورفع الأسعار على الرغم من كل التدابير القانونية لـ”تجميدها”. كما أن لديها ألف تواطؤ داخل جهاز الدولة البرجوازية كي تجعل تدابير التحكم الفوقي في الأسعار “معتدلة” أو “تتملص” منها، عندما تكون محرجة جدا. كما أن البرجوازية ومنظريها أنفسهم على اقتناع عميق بعدم جدوى “التحكم في الأسعار”، لأن هذه الضوابط تنتهك “القوانين الاقتصادية”(قوانين السوق، أي منطق الربح والمنافسة داخل النظام الرأسمالي).
إنها لا تُلوِّحُ بشبح “الرقابة على الأسعار والأرباح” سوى من أجل خداع العمال، من أجل حملهم على مقايضة حقهم الطبيعي – حرية التفاوض حول الأجور مع أرباب العمل باستعمال قوتهم الجماعية المنظمة – بصحن حساء. على الأكثر، تسمح تدابير محدودة من “الرقابة على الأسعار” أحيانا بتسريع التركيز الرأسمالي، أي تسريع القضاء على أرباب العمل الصغار لصالح الكبار.
التضخم هو بلا شك شر تطال آثاره العمال. ولكن لا ينبغي لهؤلاء إهدار الأهم من أجل لا شيء. تعني التضحية بالمصالح المباشرة للطبقة العاملة على مذبح “مكافحة التضخم”، أن تصبح شريكا في عملية إعادة توزيع الدخل القومي على حساب الأجور والأجراء من خلال زيادة الأرباح الرأسمالية. تتحول حتما كل سياسة الدخل، التي تزعم التحكم “في وقت واحد” بالأجور، والأسعار والأرباح، في ظل الرأسمالية إلى شرطة على الأجور بشكل صريح. يجب على العمال والنقابات رفض، دون تحفظ ودون قيد أو شرط، مثل هذه “لمعركة ضد التضخم”، لأنها سلاح لرأس المال في صراعه الطبقي ضد العمال.
سيتم كبح التضخم نهائيا عندما يتم القضاء على الرأسمالية، عندما يمسك العمال كل السلطة السياسية والاقتصادية. حتى ذلك الحين، ليس المطلوب التضحية بمصالح العمال باسم مبدأ مجرد (“جعل التضخم معتدلا”)، ولكن الدفاع عن القدرة الشرائية للعمال ضد آثار التضخم. هذه مهمة مصيرية للنقابات ولجماهير الكادحين التي تواجه ظاهرة “التضخم الدائم”.
بالنظر إلى أن التضخم ملازم للرأسمالية الآفلة، فالرأسماليين، على الرغم من كل ريائهم المناهض للتضخم لا يسعون سوى إلى شيء واحد: أن تتجه الفوائد المترتبة عن التضخم إلى خزائن أرباب العمل والبرجوازية؛ وأن تدفع تكاليف التضخم من طرف العمال والجماهير الكادحة.
يجب على موقف الطبقة العاملة والمنظمات المنتسبة لها، أن يكون على العكس تماما من هذا الجهد الدؤوب والناجح غالبا من جانب رأس المال. ينبغي عليها أن تركز قبل أي شيء على رفض دفع تكاليف التضخم، وعلى حماية الأجور والمداخيل الفعلية للعمال في مواجهة كل الآثار المباشرة وغير المباشرة للتضخم.
السلم المتحرك للأجور، السلاح الوحيد الفعال ضد التضخم
منذ تأسيسها في عام 1938، تدافع الأممية الرابعة على أن السلم المتحرك للأجور وحده يشكل الدفاع الفعال عن القدرة الشرائية للعمال في مواجهة عواقب التضخم وغلاء المعيشة.
قاوم الإصلاحيون وتيارات أقصى اليسار في الوقت نفسه لفترة طويلة هذه الفكرة التي أخذت تكتسح الطبقة العاملة والحركة النقابية في العالم أجمع. يمكن سرد أمثلة لا تحصى لنضالات من أجل انتزاع السلم المتحرك سواء في شركات معزولة أو على صعيد فروع صناعية أو على المستوى البيمهني وطنيا. في الحقيقة ترشد التجربة العملية للتضخم العمال إلى أن الدفاع عن القدرة الشرائية وحمايتها من خلال السلم المتحرك تمثل أول رد فعل ورد الفعل الضروري للدفاع الذاتي في مواجهة الالتهاب الأكثر فأكثر وضوحا للأسعار.
تدحض الممارسة العملية الحجة القائلة بأن السلم المتحرك “سيشل” العمال بإزالة حوافز النضالات السنوية لزيادة الأجور. بلدان مثل إيطاليا أو بلجيكا، حيث يتم تطبيق السلم المتحرك كليا أو جزئيا، هي بالتأكيد ليست البلدان التي يوجد فيها عدد أقل من الإضرابات والنضالات المطلبية مقارنة بالبلدان حيث العمال لا يتمتعون بعد بالسلم المتحرك للأجور.
في الواقع، إن السلم المتحرك لا يعوض النضال من أجل زيادة الأجور. بدلا من ذلك، فإنه يخلق بالضبط الظروف اللازمة لنضال من هذا القبيل. ما يسمى الآن “النضال من أجل زيادة الأجور” هو في عصر التضخم الدائم، تسع مرات من أصل عشرة، نضال من أجل اللحاق بتأخر الأجور نسبة إلى ارتفاع تكاليف العيش، بعبارة أخرى نضال من أجل استعادة القدرة الشرائية للأجور وليس لزيادتها. عندما تصبح هذه الاستعادة تلقائية من خلال عقود تضمن السلم المتحرك، فإن النضال من أجل الزيادة الفعلية في القدرة الشرائية سيبدأ، آنذاك وفقط، بشكل جدي.
تبين تجربة العديد من الاتفاقات الجماعية في العديد من فروع الصناعة لعدة بلدان، أنه في زمن التضخم الدائم والسريع، أي تأخير في رفع الأجور لتساير ارتفاع تكاليف المعيشة هو مرادف لخسارة القدرة الشرائية للمأجورين. لقد بين معهد الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في جامعة لوفان الكاثوليكية جدا أن العمال البلجيكيين الذين يتمتعون مع ذلك بالسلم المتحرك فقدوا 3٪ من القوة الشرائية على مدى العامين الماضيين، بفعل أن رفع الأجور لتتناسب مع مؤشر الأسعار تتم في وقت متأخر.
بالتأكيد، يعد الحصول على المُسايرة التلقائية للأجور كلما ارتفعت الأسعار فوق عتبة مُتفاوض عليها(على سبيل المثال 2٪ أو 2.5٪ – ما يسمى في بريطانيا “اتفاقات العتبة”)، خطوة على الطريق نحو السلم المتحرك، لا يجب احتقارها. ولكن هذا ليس بعد سلما متحركا فعليا تماما. إذ من المحتمل أن يخسر العمال تبعا لذلك مرتين. أولا، لأن أي زيادة في الأسعار دون مستوى العتبة (على سبيل المثال 1.7٪ لعتبة 2٪ أو 2.2٪ لعتبة 2.5٪) لا تؤدي إلى أي زيادة في الأجور، في حين تعني في الواقع فقدان القدرة الشرائية للعمال. وثانيا، لأنه يشكل “دعوة” حقيقية للحكومات وأجهزة الدولة البرجوازية للتلاعب بالمؤشر الرسمي لأسعار الاستهلاك من أجل الحفاظ عليها في مستوى يقل عن العتبة المؤدية لمسايرة الأجور والمرتبات التلقائية لارتفاع الأسعار.
يعني سلم متحرك حقيقي، إذن، مُسايرة الأجور الاسمية التلقائية كل شهر لأي زيادة للأسعار، بدون أي عتبة. وبهذه الطريقة يمكن الإبقاء على سلامة القوة الشرائية للعمال. وهذا ما حصل عليه بشكل خاص؛ في المفاوضات الأخيرة حول الأجور؛ عمال الكتب وعمال الغاز والكهرباء في بلجيكا.
السلم المتحرك والضرائب، والسلم المتحرك وعدم المساواة
ومع ذلك، كي يتم الاحتفاظ تماما بسلامة الأجور، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أيضا تأثير الضرائب على القدرة الشرائية للعمال. في الماضي، دافعت الحركة العمالية على أطروحة أن الضرائب غير المباشرة تصيب أساسا ذوي الدخل المنخفض، في حين تطال الضرائب المباشرة الأغنياء. إن الجزء الأول من هذه الأطروحة لا يزال صحيحا اليوم، والجزء الثاني ليس تماما.
لقد زاد عبئ الضرائب المباشرة بشكل رئيسي في العقود الأخيرة عبر استفحال الضرائب المباشرة على الأجور والرواتب. واليوم، في العديد من الدول الرأسمالية لا يدفع العمال معظم الضرائب غير المباشرة وفقط، بل يدفعون فضلا عن ذلك الجزء الأكبر من الضرائب المباشرة.
هذا هو الواقع فعلا، لأنه يتم عموما اقتطاع الضرائب المباشرة على الأجور والرواتب من المنبع، أي تدفع مقدما وتحول بالكامل، ومباشرة، من طرف أرباب العمل إلى خزينة الدولة البرجوازية. في حين أن الضرائب على الأرباح الرأسمالية وعلى دخل المهن المسماة “حرة” و “مستقلة” تدفع مع تأخير ودون رقابة حقيقية. وبالتالي تستفيد البرجوازية مرتين. تدفع الضرائب متأخرة، ما يعني الاستفادة من فقدان القوة الشرائية للنقود (مبلغ ثابت من الضريبة على الربح يدفع ستة أشهر بعد تحقيق هذا الربح الرأسمالي يعني ضريبة انخفضت ب 5٪ إذا كان معدل التضخم السنوي هو 10٪). وتدفع الضرائب دون رقابة فعلية على المبلغ الحقيقي للأرباح، وهذا يعني أن أبوابا مشرعة للتهرب والغش الضريبيين. وهاذين الأخيرين ينتشران مثل سيل جارف في اقتصاد معظم البلدان الامبريالية.
بالنسبة للعمال، تعني الضريبة التصاعدية على الأجور، أنه كلما رفع السلم المتحرك الأجور الاسمية إلى شريحة أعلى للدخل خاضعة للضريبة بشكل أكبر، فهذا يؤدي إلى زيادة في الضريبة على الأجور أقوى من زيادة الأجور نفسها.
دعونا نأخذ مثالا افتراضيا، لاستخدام برهاني بحت. لنفترض أن عاملا ماهرا يكسب 2000 فرنك فرنسي شهريا، وأن ارتفاع تكاليف المعيشة أدى، من خلال السلم المتحرك، بعد عام إلى زيادة الأجور بنسبة 10٪، وبالتالي 2200 إلى فرنك فرنسي في الشهر. لنفترض أنه خاضع للضريبة على كل هذا الدخل وأن الضريبة هي 15٪ على الدخل المتراوح بين 20000 و 25000 فرنك فرنسي في العام، و 20٪ على الدخل المتراوح بين 25000 و 30000 فرنك فرنسي سنويا.
قبل تطبيق مُسايرة الأجور للأسعار كان هذا العامل يدفع إذن 15٪ ضريبة على دخل سنوي من 24000 فرنك فرنسي أي 3600 فرنك فرنسي كضرائب. وبالتالي كان يحافظ على راتب صافي 20400 فرنك. بعد تطبيق مُسايرة الأجور للأسعار صار يدفع على دخل سنوي من 26400 فرنك، ضريبة من 20٪ أي 5280 فرنك. ويتبقى له صافي 21120 فرنك فرنسي. والحال أن تكاليف المعيشة زادت بنسبة 10٪. القوة الشرائية للراتب الصافي 21120 فرنك فرنسي ليست مساوية إذن سوى للقوة الشرائية 19008 فرنك فرنسي في العام السابق. ولذلك فإنه في هذه الحالة هناك فقدان القوة الشرائية بالفارق بين 20400 و 19008 فرنك فرنسي، أي أكثر من 1000 فرنك فرنسي سنويا، وفقط كنتيجة لتصاعدية الضريبة على الأجور.
ما يهم العامل، ليس “الأجر الإجمالي”، الذي لا يعدو كونه فكرة وهمية بحتة، في الواقع كما في النظرية. ما يهمه هو الأجر الصافي الفعلي، أي الكمية الإجمالية من السلع والخدمات التي يمكنه شراؤها في الواقع عند صرف أجره نصف الشهري أو في نهاية الشهر. يجب على السلم المتحرك للأجور حماية القدرة الشرائية للأجور الفعلية. ولذلك ينبغي إذن أن يُستخدَم ليبطل مفعول المبالغ المقتطعة بفعل تصاعدية الضريبة.
الحل الذي تطالب به الحركة العمالية في العديد من البلدان، بما في ذلك الحركة النقابية البلجيكية هو المُقايسة الكاملة لسلم ضريبة الأجور تبعا لتطور الأجور. كلما زاد الأجر الاسمي ليتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، يتم الزيادة في سلم الضريبة على الأجور بنفس النسبة.
في المثال أعلاه، سينتقل الحد الأقصى لفئة الأجور والمرتبات التي تدفع 15٪ كضريبة تلقائيا من 25000 فرنك فرنسي سنويا إلى 27500 فرنك فرنسي في السنة، إذا كانت تكلفة المعيشة قد ارتفعت بنسبة 10٪. هكذا فإن زيادة الأجر الاسمي من 24000 إلى 26400 فرنك فرنسي سنويا لا يغير بتاتا معدل الضريبة المفروضة التي تظل 15٪. وبهذا تكون حماية القدرة الشرائية للأجور تامة.
يتم الاعتراض أحيانا بأن تطبيق مقايسة كاملة من هذا القبيل للأجور والمرتبات، بالضرائب، سيدفع نحو زيادة “التوتر” بين الأجور الأدنى والأجور الأعلى، حين سيرتفع بلا توقف الفارق بينهما بالأرقام المطلقة. وهكذا، إذا كانت أصلا الأجور المتدنية جدا هي 6000 فرنك فرنسي سنويا وأعلى رواتب المستخدمين 60000 فرنك فرنسي (لنفترض في كلتا الحالتين أنها صافية من الضرائب)، فإن رفعا كاملا بنسبة 10٪ سيزيد في الراتب السنوي للعامل غير الماهر بـ600 فرنك فرنسي في السنة، في حين أن راتب المدير المأجور سيزيد بـ6000 فرنك فرنسي. لقد كانت فجوة الدخل بين الاثنين في البداية 54000 فرنك فرنسي في السنة. وبعد تفعيل السلم المتحرك بشكل كامل سيصبح الفارق 59400 فرنك فرنسي.
هناك نوعان من الردود على هذه الحجة:
- الأولى، إنه لمن الإنصاف تحديد مقايسة سلم الضريبة عند سقف معين يقوم على أساس دخل العمال المهرة. في مثالنا الافتراضي، يمكن أن نفترض أن مثل هذا المقايسة لسقف ضريبة الأجور والرواتب ستتوقف عند سقف 30000 فرنك فرنسي في السنة. فوق هذا السقف، ستواصل الضريبة التصاعدية لعب دورها كاملا، وبالتالي تقود إلى تقليل الفجوة بين الأجور العالية والمنخفضة إلى حد ما.
- والثانية، أن أفضل طريقة لمحاربة “التوتر” المفرط بين مداخيل المأجورين هي النضال من أجل الحصول على منحة الغلاء، ومنحة نهاية السنة، وزيادات فعلية في الأجور(فوق السلم المتحرك) متساوية للجميع، وتطبيق مبدأ الأجر المتساوي عن العمل المتساوي، وتأهيل دور السلم المتحرك بإدخال أسقف للأجورـ الرواتب، التي لن تكون التعديلات عندها تلقائية بل ستكون محط مفاوضات. هذا الموقف له ما يبرره من الناحية النظرية، لأن الرواتب العالية للأطر ليست في الحقيقة موجهة تماما لشراء السلع الاستهلاكية العادية التي تستخدم لإنشاء مؤشر تكلفة المعيشة. يستخدم جزء من هذا الدخل لشراء السلع الفاخرة، التي تتطور أسعارها بشكل مختلف عن أسعار تلك السلع الاستهلاكية العادية. وجزء آخر مخصص بمراكمة رأس المال الخاص (الادخار) الذي ليس للعمل النقابي الفعال(في هذه الحالة: انتزاع السلم المتحرك للأجور) أي مصلحة في تعزيزه.
ومع ذلك، هناك اعتراضات ضد هذه الأطروحة. إدخال السقوف الرقمية البحتة ستعقد تلقائية السلم المتحرك، الذي ينبغي بدقة انتزاعه، ويمكن أن يصير ضد العمال أنفسهم، إذا أصبح التضخم مستشريا. بالتالي سيقود للحاجة إلى المراجعة الدورية لهذه السقوف، ما سيعرقل أكثر الرفع التلقائي للأجور. وبالإضافة إلى ذلك، وعن طريق إبطاء عملية رفع الرواتب العالية لمسايرة ارتفاع تكاليف المعيشة، لن تكون هناك زيادة الأجور التي يحصل عليها ذوي الدخل المنخفض، وسيتم ببساطة زيادة أرباح أرباب العمل. وبذريعة إبطاء تراكم رأس المال الخاص (الادخار) للأطر سيتم تعزيز تراكم رؤوس أموال التروستات والاحتكارات.
وفي الأخير، تبدو لنا هذه الأطروحة أقل فعالية بشكل خاص. إذا قام أصحاب العمل بدفع رواتب عالية لفئات معينة من الأطر، فذلك لأنهم يجدون في ذلك مصلحة اقتصاديا واجتماعيا. لا يمكن منع ذلك دون قلب النظام الرأسمالي. وحتى لو لم يتم تثبيت الرواتب العالية في سقوف محددة، فإن أرباب العمل “سيكبرونها” طوعا، دون أن يتم إكراههم على ذلك.
المعركة الحقيقية ضد الفروق المفرطة في الأجور والرواتب ليست عن طريق الحد من الدور الذي يلعبه السلم المتحرك، بل بانتزاع المنح والزيادات المتساوية للجميع. من مصلحة العمال انتزاع سلم متحرك بسيط وشفاف وتلقائي، لتجنب التعرض للخداع وفقدان قدرتهم الشرائية. يصلح السلم المتحرك لهذا الغرض، وليس لمحاربة عدم مساواة الدخل. لنعمل كي يخدم هذه الغاية بالطريقة الدقيقة الممكنة، ولنستخدم أسلحة أخرى لتحقيق أهداف أخرى.
النضال من أجل السلم المتحرك نضال لكل طبقة الأجراء (بما في ذلك المستخدمين) وليس معركة فئوية. ينبغي بالأخص أن يسمح بتعبئة بيمهنية موحدة كي يحمي بفعالية تمديد مبدأ السلم المتحرك لفائدة العمال (والمستفيدين من الرعاية الاجتماعية) الأقل أجرا، الذين هم أيضا عموما الأقل تنظيما. بالضبط لهذا الغرض، فإن تنفيذه بشكل كامل ليشمل جميع الأجور والرواتب كنسبة مئوية وليس كمبلغ ثابت، أمر ضروري لضمان وحدة مصالح الطبقة بأكملها. إن استخدام السلم المتحرك بحيث لا تحافظ الشرائح الأعلى أجرا من الطبقة العاملة على قدرتها الشرائية عن طريق مسايرة أجرها لارتفاع تكاليف المعيشة، ليس تعزيزا للتماسك الاجتماعي والمساواة المتنامية وسط العمال، بل على العكس هو تشجيع للانقسام.
هناك حجة لصالح معاملة تفضيلية للأجور المنخفضة في إطار السلم المتحرك: البنية المختلفة لنفقات أسرة من ذوي الدخل المنخفض مقارنة مع إنفاق فئات أفضل أجرا، من شأنه أن يقلل بشدة أكثر القدرة الشرائية للأولى بالمقارنة مع الثانية في حالة التضخم. هذه الحجة صحيحة بالتأكيد في بلدان مثل إيطاليا، لكن أقل صحة في بلدان مثل بريطانيا، حيث يتم دعم أسعار المواد الغذائية من طرف الحكومة. على أية حال بدل الحد من الدور التلقائي الذي يقوم به السلم المتحرك، فإن الرد على ظلم من هذا القبيل يجب أن يكون المطالبة بالرقابة العمالية على حساب مؤشر الأسعار المستخدم كنقطة انطلاق للسلم المتحرك، مؤشر عليه أن “يَرسُم” بالطريقة الأكثر وفاء بنية نفقات أسرة عمالية متوسطة الأجر.
على العكس، ما هو ضروري لحماية الطبقة العاملة ككل، وليس فقط العمال العاملين، ضد آثار التضخم هو امتداد مبدأ السلم المتحرك لجميع المستفيدين من الرعاية الاجتماعية. التقاعد والمعاشات، ومنح البطالة وضحايا حوادث الشغل، ومنح المرض والعجز، ومنح الولادة والتعويضات العائلية، ينبغي مقايستها وأن تُساير تلقائيا الزيادات الشهرية في تكاليف المعيشة، ونفس الشيء بالنسبة للأجور والرواتب. هذا المطلب هو أكثر ضرورة لأن الأكثر تضررا من ارتفاع أسعار السلع الأساسية هم ذوي الدخل الثابت المحدود، وهم من يلقى بهم إلى الفقر المدقع بسبب التضخم.
السلم المتحرك و”مصداقية المؤشر”
عندما ينتزع العمال السلم المتحرك للأجور، ينتقل مركز ثقل النضال من أجل منع تحميل الطبقة العاملة أعباء التضخم إلى حساب الزيادة الفعلية في الأسعار. في كل مكان تسعى الدولة البرجوازية وأرباب العمل إلى فرض قبول مؤشر الأسعار (أو كلفة المعيشة) الذي تضعه الإدارة العمومية كقاعدة حساب لتحديد التعديلات في الأجور. وفي كل مكان تبين التجربة أن مؤشر الأسعار هذا يكون مزورا ويُستخدم كسلاح لأرباب العمل لتأخير مُسايرة الأجور للأسعار، أي لزيادة الأرباح الرأسمالية.
أكثر التقنيات استخداما من قبل البرجوازية لتحقيق هذه الغاية هي:
- سُلّة لائحة غير شريفة للسلع والخدمات التي يتم على أساسها حساب مؤشر كلفة المعيشة. وفي الواقع أن هذا المؤشر هو متوسط شهري ناجم عن تقلبات أسعار عدد كبير من المواد والخدمات. إذا أقحمت في الكتلة الاجمالية لهذه المواد سلسلة من السلع قليلة أو معدومة الاستهلاك من طرف العمال، حيت زيادة أسعارها أقل من المتوسط، نحصل على زيادة في المؤشر لا تعكس بصدق الزيادة الفعلية لكلفة المعيشة. هكذا، نددت الحركة النقابية البلجيكية لفترة طويلة بما أسمته “مؤشر القبعة الدائرية” لأن سلعا، مثل القبعات الدائرية، التي قلما يشتريها العمال تم إدخالها في حساب مؤشر كلفة المعيشة.
يندرج في هذا الشكل من التلاعب غير الشريف استبعاد خدمات ترتفع أسعارها بمعدل سريع للغاية من حساب تكلفة المعيشة (على سبيل المثال، في بعض البلدان: الإيجار والنفقات الطبية غير القابلة لإرجاع مصاريفها من قبل الحماية الاجتماعية)، أو تضمينها بنسب أقل من وزنها الحقيقي في إنفاق الأسر. إذا كان العمال ينفقون على سبيل المثال 20٪ من دخلهم على دفع الإيجار وتكاليفه، وارتفعت هذه الإيجارات بنسبة 15٪ سنويا، في حين أن ارتفاع سلع الاستهلاك هو فقط 10٪، وأن المؤشر لا يجعل الأجور تساير ارتفاع الأسعار إلا في حدود 5٪ للإيجار، فبعد عام، فإن هذا الحساب غير الشريف للمؤشر يُفقِدُ العمال أكثر من 2.5٪ من القوة الشرائية لمجموع راتبهم السنوي!
- المسح غير الشريف للأسعار الحقيقية. في ظل الرأسمالية، على الرغم من التركيز التجاري المستمر، غالبا ما تباع نفس المواد بأسعار مختلفة جدا. هذا ينطبق بشكل خاص على المنتجات الغذائية. مواصلة رفع أسعار المواد الغذائية في أسواق حيت قلة قليلة من ربات البيوت قادرات على التموين بانتظام أو زيادتها في المحلات التجارية الكبرى بالقرب من الطرق السيارة، حيث جماهير العمال لا يتزودون أيضا، فذلك يمكن أن يؤدي إلى مؤشر للأسعار ينحرف بجدية عن الإنفاق الحقيقي للأسر العمالية.
- التلاعب بالنتيجة الإجمالية للمؤشر “بالقياس” على أسعار بعض المواد الاستهلاكية. وهذا ما سمي في بلجيكا “سياسة المؤشر” التي هي، مع ذلك، غير مفيدة لأرباب العمل والدولة البرجوازية إلا إذا كانت هناك عتبات لن يكون دونها أي تعديل للأجور. إذا تم تعيين هذه العتبة عند 2٪، على سبيل المثال، فإن الحكومة يمكنها عبر تجميد أسعار بعض المنتجات واسعة الاستهلاك (الخبز مثلا) بشكل تعسفي الإبقاء على ارتفاع المؤشر بشكل مصطنع عند نسبة 1.9٪ أو 1.8٪، مما يسبب خلال أشهر في فقدان القدرة الشرائية للعمال بحوالي 2٪.
تزوير مؤشر الأسعار واضح بجلاء حتى أنه في العديد من البلدان، بما في ذلك إيطاليا وفرنسا، قام موظفو معاهد الإحصاء أنفسهم بالتنديد بذلك، وعرضو على النقابات المساعدة لحساب مؤشر “صادق”.
في بلجيكا، حصلت النقابات على حق النقض (الفيتو) على “الاعتراف الرسمي” بالمؤشر. بوجودها في “لجنة الأسعار” بجانب ممثلي أرباب العمل والحكومة، يمكنها رفض الاعتراف بصدقية المؤشر الذي تصدره الحكومة شهريا. ولكن “فيتو الإيقاف” هذا ليس له سوى قيمة دعاوية بحتة، وذلك لأنه لا يعني بأي حال أن يتم الحصول على الزيادات في الأجور التي يؤدي إليها تلقائيا مؤشر أكثر صدقا.
ولذلك، فإن إرادة ضمان سلم متحرك يحمي القدرة الشرائية للعمال، يعني انتزاع حق النقابات في إنشاء مؤشرها الخاص لكلفة المعيشة كأساس لحساب الزيادات في الأجور.
هذا الحساب النقابي لمستوى الأسعار الشهري لا ينبغي أن يحدث في كواليس المكاتب، ولو كانت مكاتب المقرات النقابية، ولا بواسطة التقنيين فقط، حتى ولو كانوا تقنيين يضعون أنفسهم في خدمة الطبقة العاملة. يجب تبيان الأسعار بشكل منتظم من طرف فرق من ربات البيوت والعمال في المتاجر، ومن قبل لجان الرقابة على الأسعار. وينبغي مقارنة هذه البيانات ومناقشتها علنا وعبر المواجهة المتناقضة أمام الجماهير الكادحة. ربط جماهير العمال منذ اليوم بتطبيق السلم المتحرك يعني ضمان الديمقراطية العمالية على أوسع نطاق في المستقبل، وأوسع مبادرة على مستوى القاعدة، والتنظيم الذاتي العمالي الحقيقي والإدارة الذاتية العمالية الفعلية عندما يستولون على السلطة السياسية ويطيحون بالنظام الرأسمالي.
وإذا صار التضخم مُتسارِعا؟
واصل التضخم النمو في السنوات الأخيرة. يُشكّل خطر تضخم مُتسارع، حيث الأسعار لم تعد ترتفع ب 6٪ أو 10٪ في السنة، ولكن 40٪ أو 50٪، تهديدا حقيقيا مسلطا على مستقبل الأجور والرواتب، إذا استمر النظام الرأسمالي على قيد الحياة. التضخم المتسارع هو سلاح يُستخدم عادة من طرف البرجوازية، لاسيما في ظروف الأزمات الاجتماعية والسياسية الحادة، كما كان الحال مؤخرا في الشيلي في ظل حكومة الوحدة الشعبية.
في حين يتم دفع أجور العمال بعملة تفقد قيمتها بسرعة، يمتلك الرأسماليون، هم، “القيم الفِعلية”، أي السلع والآلات والأرض، حيت القيمة معبرا عنها نقداً تزداد بنفس النسبة التي تنخفض بها القدرة الشرائية لتلك العملة. عندما يسود مناخ التضخم المُتسارع، نشهد إذن سيناريو معروف، وخاصة في ألمانيا في الفترة 1922 ـ 1923 وخلال الاحتلال النازي لأوروبا الغربية إبان الحرب العالمية الثانية. التخزين، والمضاربة، وتلاعب مضارباتي واسع، والتوزيع القانوني للحصص الغذائية أو التي تقتصر على ذوي الدخل المحدود، والسوق السوداء، والطوابير أمام المحلات التجارية.
تراجع مستوى معيشة العمال أمر لا مفر منه في ظل هذه الظروف. ينبغي لحماية القدرة الشرائية للعمال تطبيق السلم المتحرك أسبوعيا، أو حتى يوميا، وليس فقط شهريا. وسيجعل تعميم السوق السوداء حساب مؤشر “صادق” للأسعار صعبا على نحو متزايد.
في ظل هذه الظروف، لا يمكن للنضال من أجل حماية الطبقة العاملة من آثار التضخم أن يتركز فقط حول السلم المتحرك ومراقبة الأسعار عن طريق اللجان. يجب أن يُضاف إلى هذه الترسانة من مطالب الدفاع الذاتي للطبقة العاملة سلسلة من التدابير العاجلة لحماية السلامة الجسدية والعصبية للعمال:
- رصد وجود ووجهة كل المخزونات من طرف العمال في شركات الإنتاج والنقل والتوزيع؛
- الكشف عن المخزونات التي تُحوّل إلى السوق السوداء وحجزها المنهجي من طرف لجان الأحياء؛
- التوزيع المباشر لمنتجات الاستهلاك الأساسي على جماهير الكادحين من قبل لجان المصانع، وذلك من خلال لجان الأحياء وتعاونيات التوزيع العمالية؛
- إرساء خطة إنتاج عاجلة لتلبية الاحتياجات الأساسية للعمال، وهي خطة تُفرَضُ على شركات الإنتاج والنقل والتوزيع من طرف منظمات الرقابة العمالية؛
- مصادرة جميع الشركات التي تحول السلع خارج قنوات التوزيع العادية؛ وذلك بدون تعويض أو إعادة شراء؛
تشير لائحة هذه التدابير العاجلة بوضوح إلى أن التضخم المتسارع يخلق وضعا يتوقف فيه إلغاء النظام الرأسمالي عن كونه هدفا دعاويا بحثا للطبقة العاملة، ولكنه يختلط على نحو متزايد مع الكفاح اليومي للدفاع عن المصالح الفورية الحيوية للعمال.
وبشكل عام، كلما تم الحصول على السلم المتحرك لكن التضخم لا يزال قائما أو يسوء، كلما انتقل مركز ثقل النضال العمالي بالضرورة من مجرد حماية للقدرة الشرائية للأجور إلى معركة ضد أضرار النظام الرأسمالي في شموليته.
يجب بشكل ملموس كشف مسؤولية الشركات الرأسمالية الكبيرة والبنوك والدولة البرجوازية في التنظيم المنهجي لارتفاع الأسعار والتنديد بذلك. ينبغي على الرقابة العمالية على حساب سعر الكُلفة في شركات الإنتاج، والرقابة العمالية على القنوات الوسيطة بين مراكز الإنتاج ومراكز المبيعات إلى المستهلك النهائي أن تسمح بالكشف عن هوامش الربح وعن الممارسات الطفيلية، وكذا المضاربة التي هي جميعا مصادر التضخم.
المطالبة بتأميم، دون تعويض أو إعادة شراء، التروستات الكبرى والوسطاء الماليين المسؤولين عن التضخم وإدارتها تحت الرقابة العمالية، تصبح آنذاك الجواب الرئيسي للحركة العمالية في مواجهة التضخم ككل.
بقلم: إرنست ماندل
مجلة “الأممية الرابعة”، رقم 18-19، نوفمبرـ ديسمبر 1974
المصدر