أضحى الارتفاع المستمر لأسعار مواد الاستهلاك الأساسية ثابتا من ثوابت سير منظومة الاستغلال القائمة ببلادنا، فالأرقام الرسمية (المندوبية السامية للتخطيط) تفيد بأن الأسعار عند الاستهلاك في المغرب ارتفعت خلال شهر مارس 2026 بنسبة 0,9 في المئة، مقارنة مع نفس الشهر من السنة الماضية. منها 0,6 بالمئة زيادة في أسعار المواد الغذائية، و1,1 بالمئة زيادة في أسعار المواد الغذائية. وبالمقارنة مع شهر فبراير 2026 ارتفعت المواد الغذائية بنسبة 1,9 بالمئة والمواد غير الغذائية ب 0,6 بالمئة. هكذا ارتفعت أسعار الخضر بنسبة 9,7 في المئة، والفواكه بـ 2,6 في المئة، واللحوم بـ 2,4 في المئة، والأسماك وفواكه البحر بـ 1,3 في المئة، والقهوة والشاي والكاكاو بـ 0,3 في المئة. ينضاف هذا إلى ارتفاعات رهيبة في أسعار السكن (كراء أو امتلاك) وفي أسعار النقل والاستفادة من خدمات اجتماعية (ارتفاع أسعار الأدوية والتطبيب ومصاريف الدراسة واللباس وباقي الحاجات الاجتماعية الأساسية).
تندرج الارتفاعات في منحى عام تصاعدي، وفق إحصائيات مندوبية التخطيط[1]:
مثال عن منحى التصاعد الدائم في أسعار المواد الأساسية عند الاستهلاك كما أورته المندوبية السامية للتخطيط
ارتفاع الأسعار أداة أخرى لاستئثار الرأسمال بالثروة التي ينتجها العمال
ارتفاع الأسعار، المتوازي مع الأجور المتدنية وارتفاع معدل البطالة، يعني في المحصلة النهائية زيادة حصة الرأسمال، مقابل تقلص حصة العمل من الثروات المنتجة، ويضاف إليه تقويض مجانية الخدمات العمومية، جراء تسليعها، واستهداف باقي أقسام الأجور غير المباشرة التي يتهددها إصلاح تراجعي وشيك لأنظمة التقاعد.
شكل تفكيك صندوق المقاصة، مصدرا لتعظيم أرباح قسم من البورجوازية المحلية، سواء تلك المرتبطة مباشرة باستيراد وتوزيع المواد النفطية، أو كبرى الشركات العاملة في قطاعات النقل وتوزيع مواد الاستهلاك، بالشكل الذي أدى إلى ما يوصف ليبراليا “بالأرباح غير الأخلاقية” (التي قدرت ب 17 مليار درهم قبل أربع سنوات). يقتضي التنافس الرأسمالي السعي الدائم لرفع الأرباح إلى المستويات التي يبلغها المنافسون الاخرون، وينتج عنه تعميم كل تلك “الأرباح” على القطاعات كلها. يأخذ سعي رأسالمال لرفع أرباحه إلى مستويات المنافسين شكلين أساسين: رفع وتائر استغلال العمل المأجور، وثانيا الضغط على الأجورلخفض كلفة الانتاج عبر الرفع من الأسعار.
كان صندوق المقاصة يلعب دورا أساسيا في لجم اندفاعات ارتفاع الأسعار، وبالتالي يمكن الطبقة العاملة من الاستفادة من قسم هام من الثروات المنتجة. لكن تفكيكه وضع الأجراء وصغار المنتجين مباشرة امام منطق الرأسمال في السعي الدائم لرفع الأرباح، وتحميلهم فواتير الازمات.
صراع القوى الكبرى للهيمنة ينعكس مباشرة على قوت ملايين العمال والكادحين
لكن الارتفاع الحالي للأسعار يتميز بميزة أخرى، فهو يندرج في سياق تنامي الحروب الامبريالية، التي تؤثر بشكل عميق على سلاسل الإنتاج والتوريد عالميا. يمثل ارتفاع أسعار النفط عاملا رئيسا في تكاليف النقل والإنتاج، وينعكس ذلك مباشرة على أسعار السلع المحلية. فيما يؤدي الارتفاع الكبير في أسعار الغاز الطبيعي إلى زيادة كبيرة في تكلفة الأسمدة النيتروجينية، وهي عنصر أساسي في الزراعة الحديثة، مما ينعكس على أسعار المواد الغذائية. وبغض النظر عن نتائج الصراع الضاري القائم حاليا، الذي يتخذ أشكالا باردة (حروب تجارية) أو ساخنة (الحرب في الشرق الأوسط وأوكرانيا)، فإن النتيجة النهائية ستكون احتكار طرف أو أطراف امبريالية لعدد من السلع الأساسية (معادن نادرة – طاقة – طرق تجارة – ذكاء اصطناعي – اتصالات …) مما سيسمح لها بالتحكم في مفاصل الاقتصاد الرأسمالي المعولم، وبالتالي التحكم في أقوات العمال والكادحين عبر العالم.
سعت الطبقات السائدة بالمغرب، في سياق سياسي ملائم لها محليا وعالميا، إلى تعميق روابطها بدوائر الرأسمال المهيمن عالميا، وكانت سياساتها القطاعية قائمة أساسا على هاته الاستراتيجية. سواء في المخطط الأخضر وبعده الجيل الأخضر، أو المخططات الصناعية وآخرها مخطط التسريع الصناعي… أدت هاته السياسات أساسا إلى فقدان سيادة المغرب على غذائه، حيث أضحت وارداته من الحبوب تصل إلى كميات فلكية: حوالي 100 مليون قنطار في الموسم الفلاحي 24/25. إن بلدا واقعا تحت طائلة تبعية غذائية بهذا الحجم، وفي ظل تنامي الميل نحو الصدامات الامبريالية المسلحة والحروب التجارية، سيسدد فاتورة غالية جدا لهذا الاختيار، لكنه سيسددها من جيوب عماله وكادحيه، بينما ستقتطع طبقاته السائدة حصتها من الأرباح. لقد استورد المغرب سنة 2025 ما قيمته 115 مليار درهم من الغذاء، ضمت مواد حيوية لمائدة المغاربة، على رأسها القمح والسكر والزيوت النباتية. وحتى المنتوجات التي تنتج محليا، تأثرت بارتفاع أسعار المدخلات وباختناق طرق التجارة العالمية، نظير البذور والأسمدة. وإذا اخذنا سنة 2025 كمثال، فإن هذه السنة عرفت قفزة كبرى في مؤشر أسعار الأغذية (من 122 نقطة إلى 127)[2] بحفز من الحرب في الشرق الأوسط.
كيف يرى العمال ارتفاع الأسعار؟
أمام واقع يفقأ العيون ويثقب الجيوب ويثقل كاهل عمال المغرب وصغار منتجيه، تسعى الطبقات السائدة إلى تحويل النقاش حول ارتفاع الأسعار إلى مربع تتقن اللعب فيه، حديث متكرر عن الفساد والفراقشية ومقتنصي الامتيازات الجبائية والجمركية، وبالمقابل حديث تأكيدي على وفرة السلع رغم غلائها و”كل موجود رخيص” كدليل على نجاعة الاختيارات الكبرى…لكن العمال الواعين ينظرون للأمور من زاويتهم، أي من زاوية مصلحتهم التي تمثل كذلك مصالح شرائح واسعة من الكادحين. يعلم العمال أن ” الفاسدين” و”الفراقشية” ليسوا سوى جزء قد يتم إظهاره من منظومة عامة غايتها استئثار الطبقات السائدة بالأرباح واقتطاع نسبتها من علاقاتها/ارتباطاتها مع الرأسمال الامبريالي.
يتساءل العمال أساسا عن السبب الذي جعل خبزهم اليومي مرهون بصراعات وحروب الامبرياليين، إنهم يتساءلون إن كانت الغاية من تحرير صرف الدرهم هي أن يصبح أداة أخرى من أدوات تحويل الثروة لمن هم فوق محليا وعالميا، وأن القضاء على دعم السلع الأساسية عبر صندوق المقاصة الغرض منه ليس حرمان “غير المستحقين” من الاستفادة منه، بل حرمان القسم الأعظم من الطبقات المستغَلة من الية حماية من الغلاء، إنهم ينظرون إلى “وفرة” مفترضة لسلع لا قدرة لهم على اقتناءها ولا حاجة لهم ببعضها على أنه سعي لحشرهم ضمن منطق يرمي بهم إلى الهامش، بينما يعرفون أن نظاما يقدس الربح، ضد تلبية حاجياتهم الأساسية، هو نظام فاسد بأكمله و”فراقشي” في حمضه النووي وينبغي النضال ضد جوهره: الملكية الخاصة. وينطلقون في سبيل ذلك من واقعهم اليومي المتميز باشتداد الاستغلال، وما ارتفاع الأسعارإلا جزء من ذلك الاشتداد، لا يستخفون بالنضال ضد الفساد الصغير، دون أن يسقطوا في أوهامه، بل يطرحون مطالب مباشرة تذهب نحو جوهر الامور: السلم المتحرك للأسعار والأجور، عمومية الخدمات الاجتماعية ومجانيتها، التعويض عن البطالة، وتخفيض ساعات العمل دون خفض الأجور، وحماية مكاسب أنظمة التقاعد وتعميمها، هكذا لن يصبح الرفع من الأسعار أداة بيد البورجوازية لتعظيم أرباحها، ولا وسيلة لتحميل العمال تبعات أزمة نظام رأسمالي سائر نحو تعمق أزماته وتوسع حروبه، تلك الحروب التي يناضل ضدها العمال في كل مكان ضدها لعلمهم أنهم أول ضحاياها حتى وإن كانوا بعيدين عن أمكنة وقوعا. ان الدفاع عن القدرة الشرائية بلجم شراهة الرأسمال للأرباح على حساب الحق في الحياة لملايين العمال والكادحين هي مهمة جوهرية في ظل نظام قائم على استغلال الانسان للانسان.
بقلم: عامل عبد الكريم
[1] www.hcp.ma/Produits-alimentaires-et-boissons-non-alcoolisees-Partie-2-annuel_a3072.
[2]مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الأغذية مؤشر المنظمة لأسعار الأغذية | منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة
