أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إتمام الاتفاق مع إيران، وقرر رفع الحصار البحري عنها فورا،بعد مرور مائة وثمانية أيام على اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. حينها، أكد ترامب بغرور وثقة أن الولايات المتحدة ستحقق “نصرا كاملا وشاملا”، وأن على إيران الموافقة على “استسلام غير مشروط”، ملمحا إلى إمكانية تغيير النظام. كما أطلق تهديدات بإزالة الحضارة الإيرانية من الوجود.
استعملت الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل، وبدعم حلفائهما في المنطقة، أحدث الترسانات العسكرية وأكثرها دمارا و تطورا، ونجحتا في احداث دمار هائل للبنية التحتية العسكرية والمدنية، لم يتكشف حجمه الخطيربعد، كما قامتا بتصفية معظم سلسلة القيادة العليا المدنية والعسكرية، بتوظيف قدرات استخبارتية هائلة وتقنيات فائقة القوة. كما شملت جرائم العدوان ارتكاب جرائم حرب ضد مدارس الأطفال،ما تسبب في مقتل عشرات الفتيات بين جدران مؤسستهن.
اتفاق وقف الحرب
بعد أربعة أشهر من الحرب، توصل الجانبان الى مذكرة تفاهم امتنعا عن اعلان تفاصيلها فورا، مع اعلانهما بعض الخطوط العامة وتسريبها تدريجيا بهدف ابطال أثر للمعارضة المحتملة.
وسيكون يوم الجمعة المقبل موعدا للتوقيع والبدء الرسمي لمذكرة التفاهم ، كما تنطلق في اليوم نفسه في جنيف جولة جديدة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة للتوصل الى اتفاق نهائي .ووفقا لعراقجي، وزير الخاريجية الايراني، فقد جرى تقسيم المفاوضات إلى مرحلتين:
المرحلة الأولى،: تفاوض بشأن إنهاء الحرب، ومضيق هرمز، والحصار البحري، وقضايا الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإعادة الإعمار، وغيرها من القضايا ذات الصلة،
المرحلة الثانية: ستستمر المفاوضات لمدة 60 يوما حتى نتوصل إلى اتفاق نهائي.
يؤخر الاتفاق تناول القضايا الحيوية، ويقتصر على قضية فتح مضيق هرمز وشؤون أخرى ولا يعالج قضايا البرنامج النووي ولا الصواريخ الباليستية ولا قطع الدعم على منظمات محور ايران في المنطقة، كما لا يفرض وقفا للنار فحسب، بل وقفا للحرب يشمل لبنان أيضا.
فشل الطموحات الاستعمارية للتحالف الامبريالي الصهيوني
ان الاعلانات المتغطرسة للثنائي ترامب-نتنياهو، لتبرير عدوانهما على ايران عبر رفع سقف الأهداف الى السماء، من دون الحرج في التصريح بأن الهدف هو السيطرة على النفط الايراني أو اسقاط النظام السياسي ، تلك الاعلانات، ليست مجرد ثمرة زواج نزوات عدوانية فردية ومناورات لحرف الأنظار عن فضائح مزلزلة كقضية ابستين، بل هي أيضا نتيجة لخصائص الامبريالية الامريكية في ظل دونالد ترامب، التي تعبر عن تبني قسم من الرأسمال الامبريالي منظورا نيوفاشيا باعتباره طريق نجاة لاخضاع المنافسين الدوليين، تحت شعار”لنجعل أمريكا عظيمة”، عبر ابتزاز الحلفاء، والاحتلال المباشر لمناطق استراتيجية،وشن حروب تجارية واقتصادية، والتدخلات العسكرية لتنصيب انظمة عميلة. ولم تعد الاليات المؤسساتية والبناء القانوني وتقاليد الديبلوماسية الدولية، المتراكمة على مدى عقود، تلبي مصالح الامبريالية في ظل اشتداد المنافسة مع صعود منافسين، يهددون مكانتها عالميا، بل باتت كلها تلك نبغى كسرها. أما اسرائيل، التي كانت وظيفتها مند زرعها في منطقة الشرق الاوسط المحورية خدمة مصالح القوى الامبريالية ببدءا بريطانيا العظمي ولاحقا الولاية المتحدة الامريكية. فالحماسة الاسرائيلية للحرب على ايران لا تعود فقط الى رؤيتها في القضاء على النظام الايراني الحالي ازالة لما تسميه تهديدا وجوديا لها، بل تأتي أيضا في سياق التناقضات الداخلية والصراع العنيف حول جملة من القضايا المتشابكة التي تهدد التماسك الداخلى للكيان الاسرائيلي[1].
فضلا عن الدوافع الشخصية لدى نتنياهو، الملاحق في عدة قضايا فساد والمهدد بالسجن، والمهووس بالمجد الشخصي باعتباره “تشرشل” اسرائيل .
ان خوضه في الحرب المستمرة متعدد الجبهات ،وتشتيت التركيز الجمعي، وانهاك المجتمع، وفرض حالة طوارِىء، والاستنفار المتواصل، كلها تصب في مصلحة نتنياهو الانية، اد يستغلها لتقديم نفسه بوصفه منقدا لا غنى عنه لاسرائيل في مواجهة المخاطر. ومن يدرى؟ فقد تمنحه التطورات فرصة تعزز حظوظه الانتخابية، فيحقق نصرا يمنحه مزيدا من الوقت لتوفير شروط الافلات من العقاب القضائي.
وقد تطابقت طموحات ترامب، المزهو بعملية بتدخله في فنزويلا واعتقال رئيسها مادورو وتنصيب حاكم عميل، ووضع الثروات البترولية للبلد بين يدي الشركات الأمريكية،مع الهيجان الجنوني المسيطر على اسرائيل مند 7 أكتوبر 2023 ، وصعود فاشية صهيونية جديدة ،مع تأزم وضعية نتنياهو القانونية، فبات تحقيق نصر مطلق على النظام الايراني حلا ناجعا ومفتاحا للتناقضات المتشابكة، وتحقيقا للطموحات الامبريالية، وانقادا من ورطة المتابعات والشبهات، وصرفا للأنظار عبر انغام “انتصار تاريخي” في منطقة حيوية وحلا لقضايا عالقة مند عقود.
لكن حساب الحقل لم يكن حساب البيدر. فالتفوق التقني العسكرى، ولا النجاحات التكتيكية للضربات ضد المنشئات والقيادة، أديا الى تحقيق “النصر المطلق”. فالاعتقاد الواهم بأن القصف الجوى وتصفية قيادة الصفوف الأمامية من شأنهما دفع الشعب الايراني للانتفاضة ضد النظام الديكتاتورى، وفسح المجال أمام تدخل مباشر لاحقا واعلان النصر على ظهر الدبابات، انتهى الى فشل دريع. فلا النظام سقط، ولا الشعب الايراني انتفض، بل ابان النظام عن قدرة على التعافى واستعادت المبادرة والصمود بوجه التهديدات، ونهج الشعب الايرايي سلوكا حذرا من التحريض الامبريالي الصهيوني، ونأى بنفسه عن الظهور كمصطف خلف الاستراتيجية الامبريالية، رغم أنه لم يمض وقت طويل على مقارعته للنظام الديكتاتوري الايراني بشجاعة كلفته الالاف القتلى على المتاريس، وكان شعاره حينها” ليسقط الديكتاتور”، وقتهها قال دونالد ترامب ان “المساعدات على الطريق” واعدا بها الإيرانيين، لكنها اليوم تصل إلى النظام نفسه الذي خاض حربا ضده في خلال عام. فلا يهم ترامب ولا نتنياهو ديكتاتورية النظام الايراني ضد شعبه، ولا تعنيهما حرية شعوب ايران الا بقدر ما تستعمل خداعا لتحقيق ماربهما ، فكلاهما شريك في جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية المرتكبة ضد سكان غزة ،وكلاهما مسؤول عن جرائم فصائل المستوطنين الفاشيين في الضفة الغربية، كما يتشاركان في سلسلة قضايا معروضة أمام القضاء، وما يمنع جرهما بالسلاسل لمواجهة مصيرهما المحتوم الا حصانة منصبهما الحالى.
الاتفاق يعيد إسرائيل إلى حجمها الطبيعي
بعد تأكد ترامب من أن اهدافه من شن الحرب على ايران لم تتحقق، حاول انتزاع بعض المكاسب عبر مفاوضات مدعومة بالتهديدات والضربات المحددة، لكنه فشل في ذلك. فقد أمتلك النظام الايراني ورقة ضغط بالغة الخطورة تمثلت في اغلاق مضيق هرمز، الممر الحيوي لتصدير النفط الى الأسواق العالمية. فالتحكم في هرمز يعني ، عمليا الامساك برقبة اللاقتصاد العالمي بأسره. وقد وجد ترامب نفسه تحت ضغط اقتصادى رهيب، وأضحى كابوسه الأساسي طمأنة الأسواق المالية، واطلاق سلسلة الوعود بالتوصل الى قرب التوصل الى اتفاق. وبات الزمن سلاحا ضاغطا عليه، ولم يعد أمامه سوى السعي الى حل عاجل لتفادي كارثة اقتصادية تلوح في الافق القريب.
أما نتنياهو، فماذا يعني أي اتفاق لوقف الحرب لا يتضمن وقفا صريحا للبرنامج النووي، وانهاء التهديد الصاروخي، ووقف دعم فصائل المقاومة بالمنطقة؟ كما قال ايهود باراك أحد القادة الصهاينة، اتفاق في “سيء” في كلمة واحدة، و “سيء جدا” في كلمتين. لكن الأخطر من ذلك أن ترامب تعمد عدم اطلاع الاسرائليين على مضمون اتفاقه الأخير مع ايران، بل اطلق سلسلة تصريحات “شديدة التهديد” ضد نتنياهو، مذكرا اياه انه، صاحب الفضل في عدم سجنه، بل ذهب في القول: ” لولاه لما كانت اسرئيل موجودة”. يهدف ترامب من ذلك الى قطع الطريق على أي محاولة اسرائيلية لتخريب اتفاقه مع ايران، و اخضعاعها لضغط شديد كي تمتثل تماما، لأن مصلحة الامبريالية الأمريكية الراعية لاسرائيل تقتضي ذلك.
ويعيد الاتفاق الأخير تأكيد حقيقة دافع عنها الماركسيون الثوريون طويلا، وهي أن اسرائيل أنشئت لخدمة المصالح الامبريالية في المنطقة وليس العكس، ولاسيما تتبيث السيطرة الامبريالية على مصادر الطاقة والممرات الجيواستراتيجية ،لتكون أداة في التصدى للتطلعات التحررية لشعوب المنطقة. صحيح أن لاسرائيل طموحات اقليمية، لكنها تظل دائما في خدمة الاستراتيجية الامبريالية، ومن دونها لا يمكنها البقاء في محيط معادى لها.
النتائج المباشرة للاتفاق
بالنسبة الى شعوب المنطقة، فإن وقف الحرب المدمرة يعد مكسبا في حد ذاته، فالحصيلة البشرية هائلة، خصوصا في لبنان التي سقط فيها حوالى أربعة الاف قتيل جراء العدوان الاسرائيلي دون الحديث عن تدمير عشرات القرى وتهجير الاف المدنيين الى الشمال، كما أن فشل الامبريالية الأمريكية واسرئيل وحلفائهما في تحقيق أهدافهم المركزية يخدم مصلحة شعوب المنطقة ،ويتجلى ذلك في مسألتين على الأقل: ابطاء المخطط التصفوي للقضية الفلسطينية سياسيا، رغم الكلفة الباهضة للنكبة بعد 7 أكتوبر 2023،وثانيا، كبح اندفاع ترامب لمواصل جولات عدوانه التوسعية ضد شعوب أخرى، وفي مقدمتها التهديد الذي يوجهه الى الشعب الكوبي، ووعيده اياه بمصير مماثل لمصير فنزويلا وايران.
نجح النظام الايراني في هزم أهداف العدوان العسكري،رغم ما تكبده من خسائر، خصوصا في قيادته. بل أنه حقق مكاسب استراتيجية يمكن تحديد أهمها فيما يلي:
– تأكيد ايران قدرتها على السيطرة على مضيق هرمز
– الحفاظ على برنامجها النووي (علماء-خبرات-مصانع الانتاج- المادة المخصبة…)
– عدم المس ببرنامجها الصاروخي
– انتزاع مكاسب مالية واقتصادية مباشرة ستمنح النظام الايراني متنفسا حيويا بعد عقوبات خانقة تسببت في أزمة اقتصادية واجتماعية داخلية
– ازالة ورقة التهديد بالتدخل العسكرى المباشر، بعد ان أثبت النظام الايراني قدرته على الصمود
– عدم تفكك أدرع ايران الرئيسية، خصوصا في اليمن ولبنان
– اقتناع أنظمة الخليج بأن المظلة الأمريكية لا توفر لها الحماية، وأن قواعدها الضخمة غير قادرة على حمايتها جويا، أما بريا فلم تختبر بعد.
أما بالنسبة الى اللامبريالية الأمريكية، فان قوتها الاقتصادية والعسكرية وهيمنتها عالميا تجعل خسائرها الفعلية قابلة للتحمل على المدى الأني، لكن لها اثارا تمس مكانتها استراتيجيا.وأهم النتائج المؤكدة المتمثلة في الفشل الذريع لادارة ترامب في تحقيق أي من أهدافها المعلنة عشية اعلان حربها ضد ايران. وثانيا، الفشل الاستراتيجي المؤكد في فرض اتفاق أفضل من الاتفاق النووي الذي أبرمه اوباما سنة 2015 ، وأخيرا، الفشل في زحزحة مكانة النظام الايراني اقليميا ومحليا، بل أن ترامب عزز من قوة النظام الايراني على جميع المستويات.
هناك اجماع على أن اسرائيل هي الخاسر الأكبر، لأنها لم تحقق أهدافها السياسية، بل انها أجبرت على التخلى عن جزء من مكاسبها الميدانية، خصوصا في لبنان، لكن الخطر الاستراتيجي على اسرائيل هو تاكل خزان الدعم القوي لها في أوروبا و أمريكا، جراء ما ترتكبه من جرائم صادمة بعد 7 أكتوبر 2023 في غزة والضفة الغربية، وتحميلها مسؤولية جر ترامب الى حرب مكلفة لا مبرر لها، والتسبب في تفكيك قاعدته اليمينية التي التفت حول شعار “أمريكا أولا”. فأي مستقبل ينتظر اسرائيل في ظل انحصار الدعم الامبريالي واشتداد التناقضات الداخلية، وامام تحديات كبيرة فى غزة المحتلة، وفي لبنان، وفي الضفة الغربية، وداخل اراضي 48؟ ان استراتيجة الهروب الى الحرب المفتوحة والمتعددة التي نهجها نتنياهو ترتد على اسرائيل عكسيا.
تحرر المنطقة بيد شعوبها، لا رهان على الامبريالية والصهيونية بل ضدهما ،ولا على الأنظمة الديكتاتورية والبدائل المناهضة للتحرر
ان الاتفاق الحالى ليس الا وقتا مستقطعا والتقاطا للأنفاس، أملاه سعى ادراة ترامب الى تجنب صدمة بترولية تجر الاقتصاد العالمي الى أزمة لا أحد يعلم عواقبها، وذلك في سياق تباطؤ الاقتصاد العالمي، وأيضا لحاجة النظام الايراني الى مهلة لترتيب أوضاعه على ضوء مخلفات الحرب سياسيا ومؤسساتيا واقتصاديا. ولم يعالج الاتفاق ولا ما ورد في جدول اعماله القادم جوهر القضايا التي تمثل أساس الصراع، بعيدا عن الادعاءات المعلنة من جميع الأطراف.
فأهداف النظام الايراني في المنطقة تتمثل في فرض الاعتراف به قوة اقليمية لها مناطق نفود ومصالح مرعية، ومخاطبا رئيسيا معتمدا من الامبرالية، وليس بالضرورة بالانتقاص من المصالح الامبريالية بل افتكاك الأولية من باقى المنافسين الاقليمين.
وترفض الامبرياليات منح ايران اي مكانة أو دور اقليمي، بل تسعى الى أن تتبوأ اسرائيل تلك المكانة، عبر مد شبكة تحالفاتها لتشمل أنظمة المنطقة باسم التطبيع الرسمي وتصفية القضية الفلسطينة، التي كانت عقبة في السابق، وهو ما سعى اليه النظامين دي الملامح النيوفاشية في ادارة ترامب وفي اسرائيل،و ليست ايران و اسرائيل وحدهما من يتنافسان على القيادة الاقليمية في منطقة الشرق الاوسط ، بل اأن النظام التركي يمارس استراتيجية تمدد استراتيجي في المنطقة معلنا أن كل ترتيب الأوضاع بالمنطقة ينبغى أن تأخد مصالحه ووزنه المتزايد في الحسبان.
ووقف الحرب أمر جيد للشعوب، لكننا مازلنا بعيدين أبعد عن استثبات السلام الحقيقي في الشرق الاوسط مادام الاحتلال الصهيوني لفلسطين ولاراضي لبنان وسوريا قائما، ومادامت شعوب منطقتنا تحكمها أنظمة ديكتاتورية معادية للتحرر الديمقراطي . وسيظل الشرق الاوسط جالبا للأطماع الامبريالية و ميدانا لتنافس أنظمة ديكتاتورية تسعى الى توسيع مجال بسط قهرها ونهبها للشعوب والقوميات الأخرى.و الأمل الوحيد يكمن في سيرورة ثورية شاملة تحقق ما عجزته عنه تلك التي اندلعت في منطقتنا[2] في 2011 ، من خلال التغلب عن أوجه ضعفها الرئيسية : افتقادها الى البرنامج و الى القيادة الطبقية لمواجهة الثورة المضادة بمختلف أشكالها.
بقلم: أحمد أنور