بيان فاتح ماى 2026
أزمة الرأسمالية ومهام الطبقة العاملة: من الدفاع عن المكاسب إلى البديل الاشتراكي
تخلد الطبقة العاملة ذكرى فاتح مايو، مجسّدةً الأهداف التي ألهمت العمال الذين أشعلوا شرارة انطلاقته الأولى قبل قرن ونصف. تلك الأهداف المتمثلة في الدفاع عن المصالح الاقتصادية للطبقة العاملة ضد الاستغلال الرأسمالي، وعن الكرامة والحريات الديمقراطية في وجه الاستبداد السياسي.
انتشرت روحُ فاتحِ ماي في العالم كلّه، ولم يعد هذا اليوم مجرّد مناسبة، بل أصبح محطةً حيّة لتأكيد تضامن الطبقة العاملة ووحدة نضالاتها الأممية في مواجهة النظام الرأسمالي.
أزمة عميقة للحضارة الرأسمالية
تمتلك الرأسمالية اليوم ثروات مادية هائلة، وبلغ التطور التقني والعلمي ذروته، وتُحقق معدلات إنتاج مرتفعة، إلا أنها كنظام ملكية خاصة قائم على الربح، تغرق في أزمة تناقضاتها المدمرة. فالتقنية والعلم يوظفان في حروب دورية تدمر المنجزات الحضارية وتفتك بالبشر والطبيعة. في الوقت الذي ترتفع فيه الإنتاجية، يتوسع نهب الثروات، وتكبر الفجوة بين أقلية مترفة وأغلبية كادحة. وبينما تُهدر نحو ثلث المواد الغذائية المنتجة للاستهلاك البشري، تنتشر مجاعات عبر العالم يتضرر منها النساء والأطفال بالأساس.
وفّرت الرأسمالية الظروف المادية الناضجة لبناء بديل اقتصادي قائم على تشارك الخيرات وتحقيق التوازن البيئي، وينهي استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، لكن منطق اشتغالها ينسف تلك الامكانية الموضوعية. وبقدر التأخر في تحقيق هدف الإطاحة بنظامها، فإن الأزمات المتعددة (اقتصادية، اجتماعية، غذائية، بيئية) تهدد بمزيد من المآسي الإنسانية، بل وخطر الفناء في زحمة التنافس وحروب الدمار الشامل. إن نضالات شباب العالم اليوم هي تعبير عن وعي الأجيال الجديدة بأن طموحاتها في عالم أفضل تتعارض مع نظام يولد الفاشية والعنصرية ويضطهد النساء.
الهجوم المضاد وصعود الفاشية الجديدة
إن تعمق أزمة الرأسمالية يدفعها لشن هجوم شرس ضد الطبقة العاملة داخل بلدانها وضد الشعوب الأخرى. تتعرض المكاسب التاريخية للعمال والعاملات في كل البلدان لعملية تفكيك متتالية، وتحولت المالية العمومية إلى مضخة لتمويل الرأسمال الخاص على حساب الكادحين/ات، وعاد المنطق الاستعماري للسيطرة على أراضي الشعوب وثرواتها.
يترافق صعود حركة الفاشيين الجدد وأقصى اليمين، وانتشار السموم الأيديولوجية المناهضة للحريات، والعداء لحقوق النساء والمضطهدين/ات جنسياً، وإنكار الكارثة البيئية ومعاداة المهاجرين/ات، مع القمع وضرب الحريات والمكاسب الديمقراطية كوجه آخر لهجوم معمَّم يهدف إلى تحميل الطبقة العاملة فاتورةَ أزمتها العميقة.
الحرب الدائمة: مشروع رأسمالي مربح
تعتبر الحروب استكمالاً للمنافسة الشرسة بين الدول الرأسمالية. فالتسابق للسيطرة على الموارد والأسواق تؤدي إلى حروب اقتصادية وسياسية، وحين تستحيل التسويات، تحل المدافع محل المفاوضات. تمثل الحروب “قارورة أوكسجين” للرأسمالية المأزومة؛ فهي مشروع اقتصادي مربح لصناعة الموت، يفتح المجال لأسواق استثمارية جديدة لإعادة البناء، وتزدهر فيها القروض البنكية وأسهم تجار الحروب.
الرأسماليون يربحون، والكادحون يدفعون أرواحهم وأموالهم في حروب لا يدَ لهم فيها ولا مصلحة. هذا ما تجلى في غزو بوتين لأوكرانيا تحت ذرائع المصالح التاريخية، وبالمقابل دعم الحلف الأطلسي الأوكرانيين باسم “الدفاع عن النفس”، ليأتي دونالد ترامب ويكشف قناعه وزيف الاخرين: بما هي حرب تنافس إمبريالي شرس يدفع ثمنه الشعب الأوكراني.
كما قدّم العدوان الهمجي على غزة، بمشاركة أمريكا ودعم الامبريالية الأطلسية التي تمددت لتشمل إيران ولبنان واليمن، مثالاً حياً على همجية الرأسمالية التي حاصرت ملايين المدنيين/ات وسلطت عليهم وابلاً من القصف بالتقنيات العسكرية الحديثة، أدت الى محو أحياءً بأكملها ودفنت الآلاف تحت الأنقاض. لقد كشفت غزة نفاق الأنظمة الإمبريالية والديكتاتوريات التابعة في المنطقة التي عجزت عن إنقاذ شيوخ ونساء وأطفال يموتون بالرصاص والجوع أمام عدسات العالم.
لا يمكن وقف الحروب بمجرد الاستنكار الأخلاقي؛ فلوقف الحروب لا بد من اجتثاث من يشعلها ويتاجر بها، إنه النظام الرأسمالي. من يناهض الحروب فعلياً، عليه أن يناهض الرأسمالية كنظام حروب دائمة.
يا عمال العالم اتحدوا ضد الرأسمال
في العقود الأولى، كانت الطبقة العاملة أكثر تصميماً على النضال الأممي، جوهر فاتح مايو. ترافق تراجع المشروع العمالي البديل مع الانكفاء على مطالب جزئية وقطرية. لكن شراسة الهجوم الرأسمالي العالمي أعاد للطليعة العمالية وعيها الحتمي: وحدة الطبقة العاملة أممياً خيار لا رجعة عنه لمواجهة عدو عالمي، والتنظيم العمالي المستقل سلاح لا غنى عنه للانتصار على الرأسمالية.
العمال والعاملات: النضال لانتزاع مكاسب اقتصادية وسياسية
تحت شعار “ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات نوم، ثماني ساعات فراغ”، خلّدت الطبقة العاملة يومها العالمي. وبفضل النضالات والتضحيات، انتزعت مكاسب أجبرت الرأسماليين على تحسين ظروف العيش وسن تشريعات تقدمية. لكننا اليوم نشهد هجوماً مضاداً يهدف إلى تقويض هذه المكاسب بدعوى “الثقل على الميزانية” و”القدرة التنافسية”. يستهدف هذا الهجوم الفئات الأكثر هشاشة كالمهاجرين/ات والنساء لتقسيم الصف العمالي وإضعاف المقاومة.
أثبتت الطبقة العاملة قدرتها على استعادة قوتها، كما رأينا في نضالات العاملات والعمال الأمريكيين بالملايين، والتعبئة الضخمة في فرنسا والمجر وبريطانيا ضد أقصى اليمين والعنصرية. إن النضال لتحصين المكاسب وتعزيزها ضروري لإفشال مخطط تحميل العاملات والعمال كلفة أزمة النظام. الجبهة العمالية الموحدة هي الجواب العملي لهزم المشروع الرأسمالي.
الطبقة العاملة المغربية: نضال من أجل الاستقلال الطبقي
تناضل الطبقة العاملة المغربية ضد استغلال فاحش وظروف عيش متدنية. فئات عريضة لا تزال محرومة من حقوقها الأساسية كتحديد ساعات العمل والحد الأدنى للأجور، بينما الحريات النقابية تتعرض للقمع بلغت دروتها بالمصادقة على قانون يجرم ممارسة الاضراب، وتنتهك قوانين العمل بشكل سافر، في ظل تسريحات جماعية وبطالة متفشية.
لا تزال نضالاتنا في الغالب ردود فعل دفاعية، ويوظف الإضراب كأداة مؤقتة لا تؤثر جوهرياً في أرباح الرأسمالي الذي يغير المقر أو الاسم ليواصل نشاطه. لذا، يجب أن تتجه المعركة نحو الدولة لإلزامها بتحمل مسؤوليتها في وقف الانتهاكات، وهذا يتطلب ميزان قوى عمالي وشعبي وخوض معركة سياسية.
تكشف الوقائع ضعف التنظيم النقابي المغربي، حيث نسب الانتماء ضئيلة، والحركة في تراجع بسبب اندماج قياداتها في لعب دور “الشريك” مع الدولة والرأسماليين لتمرير السياسات النيوليبرالية. سياسياً، يفتقر العمال لحزبهم المستقل، مما يتركهم كقاعدة انتخابية تابعة لأحزاب برجوازية.
إن إعادة بناء المنظمات النقابية على أسس الديمقراطية العمالية والاستقلال الطبقي مهمة ملحة لانتزاع مكاسب تحسن أوضاع الكادحين. لكن المكاسب الجزئية ظرفية؛ لذا تبرز ضرورة التغيير الجذري وبناء بديل اشتراكي يتجاوز الحدود القومية. تحتاج الطبقة العاملة لحزبها المعبر عن طموحاتها وموحد صفوفها. إن الاستقلال السياسي للعمال هو هدفنا، وهو ما نناضل من أجله في تيار المناضل-ة مع كل مناضلي ومناضلات طبقتنا العاملة وشعبنا الكادح.
تيار المناضل ة
25 أبريل 2026