الموقع تجريبي

الانتخابات البرلمانية: حصيلة التنافس لتجديد واجهة الحكم

جرت الانتخابات البرلمانية يوم 23 شتنبر 2026، بمشاركة 28 تشكيلة سياسية، من بينها تحالف سياسي تشكل خصيصًا لهذا الاستحقاق، إضافة إلى لائحتين لمرشحين غير منتمين. ويبلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة 15 مليونًا و801 ألف و162 ناخبًا وناخبة، فيما بلغ عدد الترشيحات 7288 ترشيحًا للتنافس على 395 مقعدًا في مجلس النواب. وبلغت نسبة المشاركة 38.02 بالمائة على الصعيد الوطني من المسجلين في اللوائح الإنتخابية وأقل من ذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار من يحق لهم-ن التصويت.

وهكذا يُسدل الستار على زخم انتخابي مصطنع أُريد له أن يوحي بدينامية سياسية جماهيرية بعد ركود تام دام عقدًا ونصف العقد. غير أن هذا الركود بدأ في الواقع منذ استسلام أحزاب المعارضة الليبرالية التاريخية، وتفكك ركائزها الشعبية، وانحسار امتدادها التنظيمي والسياسي. وفي المقابل، انتشرت تعددية حزبية زائفة، لأن معظم هذه الأحزاب ليست سوى نسخ متشابهة خرجت من مطبعة الحاكمين، ولا تملك بديلاً سياسيًا أو اقتصاديا حقيقيًا، بل هي أحزاب للنظام، تستمر في البقاء بما ينعم عليها به من المال العام، وما تحظى به من رعاية وتمكين من المقاعد.

وبالنظر إلى السياق السياسي وخصائص الأحزاب المشاركة في الانتخابات، كان معلومًا أن التنافس على المراتب الأولى سينحصر أساسًا بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، بينما تسعى باقي الأحزاب بدورها إلى إحراز مرتبة تؤهلها للانضمام إلى الأغلبية الحكومية القادمة، لا بهدف تحقيق برنامج سياسي محدد، بل بهدف نيل حصة من مغانم المناصب المجزية لفائدة زبائنها، وتيسير تسوية ما استعصى من ملفات، وتسريع المصادقة على الميزانيات والمشاريع في الجماعات والجهات التي يترأسها كل حزب.

تنافس بين أحزاب النظام المتعددة الأسماء

تنتمي  الأحزاب المشاركة في الانتخابات البرلمانية، من حيث موقعها الطبقي، إلى المعسكر البرجوازي، وتجمع على الدفاع عن مرتكزات النظام السياسي والاقتصادي القائم. وفي المقابل، تميز تحالف اليسار بطرح نفسه كمعارضة إصلاحية تسعى إلى إدخال تغييرات سياسية واقتصادية لا تمس جوهر الاستغلال الرأسمالي، مستعيدةً بعض أهداف المعارضة الليبرالية التاريخية قبل استسلامها، خصوصًا بعد تجربة “حكومة التناوب التوافقي” التي قادها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

لا وجود لحزب أو لائحة انتخابية تعبّر عن مطالب الطبقة العاملة والكادحين، وتتحدى بخطاب صريح النظام الرأسمالي التابع والاستبداد السياسي، وترفع مطالب ديمقراطية جذرية واضحة تدمج المستويين الاقتصادي والسياسي.

جرى التنافس أساسًا بين أحزاب النظام، الذي يعمل على ترجيح كفة بعضها تنفيذًا لأهدافه في المرحلة المقبلة، المرتبطة بتطورات قضية الصحراء الغربية والاستعدادات لتنظيم كأس العالم ، إلى جانب تدبير التناقضات الاجتماعية المتفاقمة.

الفائز الحقيقي: النظام

بصرف النظر عن توزيع المقاعد بين الأحزاب، فإن رهان النظام الأساسي يظل هو الحفاظ على مرتكزاته السياسية نفسها: مؤسسات منتخبة تتغير تركيبتها، وحكومات تتعاقب، وأحزاب تتبادل المواقع، بينما تبقى الأسس الطبقية والسياسية للنظام دون مساس.

إن ميزان القوى العام يظل لمصلحة الحاكمين ما دامت الطبقة العاملة والفئات الكادحة لا تمتلك قوة سياسية مستقلة قادرة على النزول بثقلها الاجتماعي إلى ساحة الصراع وفرض مصالحها. وما دام لم يتشكل بعد حزب عمالي اشتراكي منغرس في صفوف العمال والكادحين، ومسلح ببرنامج طبقي مستقل، ومرتبط بالنضالات اليومية للجماهير، وقادر على تجميع القوى الاجتماعية المتضررة من الرأسمالية والاستبداد، فإن الانتخابات ستظل محكومة بميزان القوى القائم. ومن هنا، فإن تغيير أسماء الأحزاب أو تبديل الأغلبية الحكومية لا يعني، في حد ذاته، تغييرًا في طبيعة السلطة أو في الأسس الاقتصادية والاجتماعية التي تحكم البلاد. فميزان القوى الطبقي لا يتغير بمجرد تغيير الوجوه والمقاعد؛ ميزان القوى يتغير عندما تدخل قوة طبقية مستقلة إلى الصراع السياسي، وتصبح قادرة على فرض مصالحها في مواجهة مصالح الرأسمال والطبقات المالكة.

الطبقة العاملة والكادحين-ات
لا تنتظر الطبقة العاملة والطبقات الشعبية الكادحة  من الانتخابات البرلمانیة تغییرًا فعلیًا في أوضاعھا، إذ سيستثمر الرأسمال الكبير المحلي والأجنبي في نتائج الانتخابات لمواصلة تطبيق سياساته الاقتصادية والاجتماعية النيوليبرالية المنتجة للفقر والھشاشة والبطالة.

سيستغل نظام الحكم تغيير واجهة مؤسساته، لاسيما البرلمان والحكومة، لتسريع وتيرة هجوماته على مصالح الطبقات الشعبية، وفي مقدمتها: تعميق استغلال المأجورين والمأجورات(الإبقاء على الأجور المنخفضة؛ ضرب مكاسب التقاعد؛ تفكيك الوظيفة العمومية؛ مواصلة فرط الاستغلال بالقطاع الخاص… إلخ)،ومواصلة استنزاف الثروات الوطنیة والمالیة العمومیة لتمویل مشاریع ضخمة تفتح مجالات واسعة أمام الاستثمار الخاص، وتنفيذ برنامج واسع لخوصصة المقاولات  العمومية والأراضي والغابات، ومواصلة تفكيك الطابع العمومي لخدمات التعليم والصحة، وتخفيف الضريبة على الأغنياء، مقابل إثقال كاهل الطبقات الشعبية.  فيما سيتعمق الاندماج الذليل في المحور الصهيو امريكي، وتكريس التطبيع مع الكيان الصهيوني، ومحاولة تسويغه شعبيا.

باختصار، يعد تجديد واجهة مؤسسات سلطة الطبقات السائدة، عبر الانتخابات، وسيلة لمواصلة الإشراف على التوزيع غير العادل للثروة، بینما تتسع الفوارق الاجتماعیة، وتكافح أغلبیة الشعب من أجل تأمین حاجاتھا الأساسیة والعیش یومًا بیوم . غیر أن الطبقة العاملة والطبقات الشعبیة لیست كتلة مستسلمة، فقد أثبتت التجارب المتتالیة أنھا قادرة على النضال الجماعي كلما بلغ التناقض بین أوضاعھا وبین مصالح البورجوازية حدودًا لا تطاق. وھذا ما أظھرته نضالات الشغيلة، وحركات  الریف وجرادة، وغیرھا من الاحتجاجات والحراكات الاجتماعیة، بما فیھا حراك شباب جیل زد.

وفي كل مرة تخرج فیھا الجماھیر  للمطالبة بحقوقھا الاقتصادیة والاجتماعیة والسیاسیة، ويتحول هذا الحق إلى ممارسة جماهيرية فعلية تهدد توازنات النظام، تواجھھا أجھزة النظام بالقمع والاعتقالات، بما یكشف الخطاب الرسمي حول الحريات والعدالة الاجتماعية.

ما العمل بالنسبة اليسار الاشتراكي العمالي؟

هنا تبرز المسؤولية التاريخية لليسار الاشتراكي، بمختلف روافده وتجاربه. فالمطلوب ليس إعادة إنتاج اليسار لنفسه داخل دوائر مغلقة، ولا الاكتفاء بخطاب عام عن الاشتراكية، ولا البقاء بعيدًا عن النضالات الفعلية للعمال والعاملات والفئات الشعبية، بل عليه الاندماج العضوي فيها، والمساهمة في تطويرها، والدفاع عن استقلاليتها، والعمل على جعلها مدرسة للنضال والتنظيم والوعي الطبقي، على قاعدة برنامج انتقالي يجمع قوى الطبقة  ويفتح الطريق لتجاوز النظام الرأسمالي ومؤسساته لا الاندماج فيها.

ويفترض ذلك، في الوقت نفسه، ترسيخ التقاليد الديمقراطية داخل الحركات والنضالات الشعبية وفي صفوف اليسار نفسه، ونبذ النزعات الإقصائية والاستعلائية وكل أشكال الوصاية السياسية على الجماهير.

لكن الانخراط في النضالات لا يكفي وحده. فالمطلوب أيضًا التحلي بالجرأة السياسية لطرح المبادرات، وبناء أشكال التعاون والوحدة النضالية، وتجاوز التشرذم، والعمل على تراكم طويل النفس يمكن أن يفتح الطريق أمام بناء قوة سياسية اشتراكية طبقية مستقلة عن البرجوازية، ومناهضة للرأسمالية والاستبداد. قوة يكون دورها تحويل كل مساحة نضال، وكل معركة اجتماعية، وكل تجربة جماهيرية، إلى فرصة لبناء الوعي والتنظيم والاستقلال الطبقي. ومن هنا يمكن أن يصبح بناء قوة سياسية اشتراكية مستقلة جسرًا نحو بناء ميزان قوى طبقي جديد، قادر على مواجهة مشاريع الطبقات المالكة سياسيًا واجتماعيًا، مع رفع الشعارات الديموقراطية الفعلية: الجمعية التأسيسية الحرة والسيدة التي تعيد صياغة البلد سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، في سيرورة دائمة نحو البديل الاشتراكي، والنضال من أجل تحويله من شعارات برنامجية إلى قوة مادية عصية عن الهزيمة.

تيار المناضل-ة

24شتنبر 2026

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟