لا تقوم السيطرة على القهر فحسب، بل تلعب الهيمنة الأيديولوجية دورا أساسيا لنجاح تلك السيطرة، ومصوغا يبرر ممارسة العنف والاضطهاد المادي، وآلية لترويض الضحايا على الموافقة والتبعية العمياء للأيديولوجيا السائدة؛ أيديولوجية الطبقة الحاكمة. تهيمن الطبقة السائدة بسلطتها عبر المجال الرمزي أيضًا، من خلال جعل النظام القائم يبدو طبيعيًا وضروريًا ومرغوبًا. ويجري الدفاع عنه بكل أريحية، وبدون حس نقدي. ويُعدّ الشباب في المغرب؛ الفئة الأكثر هشاشة اجتماعيًا واقتصاديًا؛ محور هذا الصراع الرمزي. إذ تسعى الدولة والطبقة السائدة إلى توجيه وعيهم-ن، وتشكيل تطلعاتهم-ن، والتحكم في أنماط عيشهم-ن، بغرض إفراغ أي نزعة تمردية من محتواها السياسي.
المدرسة المغربية جهاز لإعادة إنتاج الخضوع والتراتبية
تعمل المدرسة المغربية، ومنذ الاستعمارعلى انتاج تفاوت اجتماعي، حيث كانت المدارس التي انشأها الاستعمار مُعدّة للنخبة في المغرب، كأبناء كبار الفلاحين والمُوالين لسيطرتها. وبعد الاستقلال الشكلي ظهرت المدارس التي سميت وطنية، تحت غطاء الإصلاح والتحديث، كآلية لإعادة إنتاج الامتثال للنظام القائم. فهي تزرع الطاعة لرموز سلطة الدولة، وتمجّد “المُقَدس الوطني”، وتقدّم التاريخ في سردية تولي أهمية لحضور المَلَكِية ودورها في المشهد الوطني، مع تفادي أي حديث عن التناقضات الطبقية التي تخدمها، علاوة على تزييف التاريخ الوطني، وإضفاء نوع من الأسطورة على محطات تاريخية لأدلجة الوعي الفردي للمتعلمين.
يعيد التسلسل الهرمي اللغوي بين العربية والفرنسية والأمازيغية إنتاج التفاوتات الرمزية والاجتماعية، مانحًا للثقافة النخبوية الناطقة بالفرنسية موقع تفوق دائم، حيث توجه المدرسة الخصوصية ومؤسسات النخبة تعليم المتعلمين لإنتاج النخبة الوطنية من خلال تعليم مواكب للتقدم الحاصل في المناهج ومتطلبات العلوم، بينما يجري تخريب المدرسة العمومية وتحويلها لمخبر تجارب من أجل انتاج أكثرية تابعة وغير قادرة على للنقد. فالمنهاج المدرسي العمومي يُقدَّم بصورة تكرّس الطاعة والانضباط، أكثر من النقد والتفكير الحر. يجري تغييب التاريخ النضالي الشعبي والطبقي، مقابل تمجيد “الوحدة الوطنية”، و”الاستقرار”، و”الملكية” كركائز مقدسة. كما تكرّْس المدرسة هيمنة اللغات الأجنبية والتي يعاني منها عموم أبناء الشعب، ما يؤدي لإنتاج التبعية الثقافية والطبقية. وتسرُد الدولة أهمية التوجيه المهني والتقني وفؤائده، الشيء الذي يوجِّه الشباب إلى مسارات تخدم السوق الرأسمالي وتوفير يد عاملة رخيصة(خدمات، تقنيات، مقاولاتية…) بدل تشجيعهم على النقد أو التغيير.
الإعلام أداة التلاعب بعقول الشباب
يشكّل الإعلام أداة مركزية لإنتاج الوعي السائد وهيمنة الدولة ورأس المال، فهو يُروّج لصورة مثالية عن “شباب نشيط ومتفائل”، بينما يخفي الواقع المتمثل في البطالة والفقر والتهميش. وتكرّس البرامج والإعلانات والإشهار قيم الفردانية والاستهلاك والنجاح الشخصي كمعايير للاندماج الاجتماعي. فالقنوات الرسمية والخاصة والجرائد، تُعيد إنتاج خطاب الدولة حول التنمية المستدامة، من خلال نماذج فردية غالبا ما تكون محظوظة بسبب دعم الدولة أو انتمائها لطبقة غنية، إضافة للتسويق لنموذج التنمية الجديد باعتباره نموذجا متميزا، في مقابل تغييب تام للمشاكل البنيوية التي يعاني منها الشباب وعموم المفقرين بالمغرب.
يُغرق الإعلام العمومي والخاص المدعوم من مالية الدولة الشباب في التفاهة (برامج الواقع، مؤثرون، مباريات رياضة، موسيقى تجارية…) ليصرفهم عن الوعي السياسي. فيجري تسفيه كل خطاب نقدي بوصفه عدميًا، أو مستوردًا أو أحيانا خادما لجهات غير وطنية ما يجعل الشباب يدافعون عن وطنية لا يعرفوها خوفا من التخوين. أما الصحافة “الحرة”، فتبقى مُقَيدة بالتمويل وأحيانا بلا تمويل يجعلها غارقة في الديون وصعوبة المواكبة، والرقابة الذاتية وتعقد المساطر الاستفادة من حقوق الصحافة، ما يجعل النقد الجذري محاصرًا أو مُجرّمًا.
وسائل التواصل الاجتماعي من حرية التعبير إلى المراقبة
بدت الشبكات الاجتماعية في البداية فضاءً مفتوحًا للتعبير عن الرأي والأفكار لعموم الشباب التواق للتحرر من نير الهيمنة الأيديولوجية المسيطِرة والقمع والاضطهاد، لكنها تحولت سريعًا إلى مجال مراقَب ومؤطر. فالمؤثرون المقرّبون من السلطة يَضُخّون رسائلا “إيجابية” تشجع على الولاء وفخر الانتماء والدفاع عن الوطنية والوطن، فيما تُستخدم حملات رقمية منظمة لاحتواء النقد باسم أولوية الوطن و”الوطنية”. كشعار “تازة قبل غزة”، والصحراء قبل فلسطين، لأدلجة التطبيع مع الصهيونية. ونفس الشيء يجري مع انتقاد تنظيم التظاهرات الدولية، “خاصة في كرة القدم”، ويتم تسفيه أي نقد في هذا المجال والتهجم عليه.
تتصاعد الرقابة الرقمية والاعتقالات السياسية بسبب التعبير عن الرأي، كما هو شأن الصحفيين قبلا والآن مع ناشطي جيل- زد، ويُستعمل المنطق الخوارزمي لتغذية الترفيه والتضليل، فيُستهلك الوعي النقدي للشباب داخل دوامة من الإنهاك المعرفي واللامبالاة.
تحوّلت منصات التواصل إلى أدوات مراقبة وتوجيه للرأي العام، عبر الذكاء الاصطناعي والخوارزميات الموجهة. وإكثار حملات التأثير الوطني التي تُروّج لخطاب “الإيجابية”، “حب الوطن”، “خدمة الملك” كبديل عن النضال الاجتماعي والسياسي. من خلال تضليل رقمي منظم عبر ما يسمى “الذباب الإلكتروني”، والحسابات الوهمية والمحتوى المدفوع لتشويه الحركات الاحتجاجية أو تشتيت انتباه الشباب حول المطالب والأفكار التي يجب أن يحملها. لهذا لجأت حركة جيل-زد إلى استخدام منصة ديسكور للتحرر من هذه الرقابة.
الدين والأخلاق وسائل تقليدية لتبرير السلطة والأبوية
تحتكر المؤسسة الملكية الخطاب الديني بإضفاء صفة “إمارة المؤمنين” على ذاتها، وتوظفها لتثبيت شرعيتها السياسية والاجتماعية. ويُقدَّم الإسلام الرسمي كإطار أخلاقي يكرّس النظام الأبوي، ويُشرعن الخضوع للسلطة والطاعة للنظام، وكذا استعمال الإسلام السياسي للخطاب الديني لاستمالة الشباب نحو تغيير الأوضاع، ولكن من منظور رجعي، في المقابل يجري تشجيع الإسلام الطرقي والزوايا لاستمالة الشباب نحو الجبرية. وتسعى هذه الأخيرة جاهدة لتجديد نفسها من خلال استقطاب طاقات شابة، إذ نجد بعض القيادات الصوفية شبابا؛ مثل البودشيشية والكركرية التي تستعمل الفضاء الرقمي لاستمالة الشباب، وتعلن نفسها كملاذ للفرار من الواقع المرير. وتتفق هذه التنويعات الدينية على تقديم الدين للطاعة لا للتحرر، حيث يربط الولاء لله بالولاء للحاكم.
تقوم المؤسسات الدينية سواء الزوايا أو المساجد أوالقنوات الدينية بالمغرب(إذاعة وتلفزة) على أساس الوعظ والخطاب الديني، إذ تستعمل هذه الوسائل لتبرير الفوارق الطبقية وتكريس القبول بالقدر الاجتماعي، ويكون الشباب هو المستهدف بدرجة أولى. إذ يجري تحييد الدين عن نقد الظلم الاجتماعي، وإفراغ الخطاب الديني من أي بعد تحرري أو عدالة اجتماعية. ويقوم واعظو السلاطين في حساباتهم الخاصة بهذه الواجبات من أجل نيل رضا السلطة. أما القراءات التحررية والنقدية للدين، فتُقصى وتُجرّم، مما يجعل الدين المؤسسي أداة مركزية لإعادة إنتاج البنية الطبقية والسلطوية.
تسليع الثقافة واستيعاب المقاومة
يُنتِج الشباب أشكالًا ثقافية مقاومة كالراب، والغرافيتي، والفكاهة الرقمية، كما هو حال الشباب المغاربة، مثل موسيقى الشارع “البولفار”، وبوجلود كتعبيرات عن الرفض. لكن سرعان ما يجري الالتفاف حول هذه المبادرات الشبابية، ويتم إدماجها في منطق السوق والرأسمال بغاية احتوائها، عبر تحويلها إلى سلع ومهرجانات ممولة تُفرغها من شحنتها السياسية والتمردية، فتتحول الثقافة المتمردة إلى زينة تجارية تُروّج داخل المولات والمهرجانات، فتُستوعب المقاومة ضمن منطق الربح بدل الصراع. ونفس الشيء في ألعاب الفيديو والتي أدخلت الأخرى في لعبة رسملة الترفيه وتكون ملاذا لتفريغ التمرد.
برامج الدولة الشبابية والنزعة الرقابية
تُستخدم برامج “المواطنة الفاعلة” و”ريادة الأعمال” التي تمولها الدولة والمؤسسات الدولية لإعادة تعريف المشاركة الشبابية في إطار فردي وتقني، كما تفعل وزارة الشباب المغربية من خلال برنامج “متطوع كل صيف”. فتحوّل الفاعل السياسي إلى “رائد مشروع”، والمواطن الناقد والمترافع عن طبقته إلى “مبادر اجتماعي”. فيُختزل العمل الجماعي إلى مسعى إداري منزوع عن الصراع الطبقي، بل يجري تحوير المبادرات لما يخدم الدولة وليس المواطنين. فيصبح الشباب في قبضة أيديولوجية الدولة، كما هو حال العمل الجمعوي الذي أدمج الشباب في لعبة الدولة، وحولهم إلى سماسرة الدعم العمومي ومرتهنين له، عوض مناضلين من أجل العدالة المجالية والمساواة والعدالة الاجتماعيتين. فالعمل الهش والبطالة حالة من الخوف واللااستقرار تَدفع الشباب إلى قبول أي فرصة توفر لهم “الأمان”، ما ينتج الزبونية وشراء الولاءات عبر الجمعيات، والمشاريع الممولة، والمبادرات الملكية…إلخ التي تُستعمل كأدوات لربط الشباب بالسلطة بدل النضال المستقل. فيتمم القمع القانوني والأمني الهيمنة الإيديولوجية بالقوة المادية لتفادي أي تمرد فعلي. بهذا، يُعاد إنتاج الهيمنة عبر إفراغ الفعل الشبابي من مضمونه السياسي.
الرياضة بوابة هيمنة جديدة على الشباب المغربي
لم تعد الممارسة الرياضية فعالية من أجل الترفيه في المغرب أو وسيلة للتنمية كما يُروَّجه الاعلام رسميا، بل تشكّل مجالًا تُمارَس من خلاله الهيمنة الرمزية والضبط الاجتماعي. فعوض أن تكون فضاءً للتحرر والمشاركة الحقيقية، تُستخدم لإعادة إنتاج الخضوع وتحييد الطاقات الشبابية من النضال والتعبير عن واقع معيشهم. فتحولت الرياضة، خاصة كرة القدم، إلى أداة لإنتاج التراضي والاتفاق غير المعلن عن السلم الاجتماعي، حيث يُعاد توجيه الانتماء من الصراع الطبقي والنضال الجماعي نحو رموز وهمية كالمنتخب أو الأندية المحلية. ويظهر ذلك جليا في حالة الفوز بلقب ما، بينما يُطَبَّع الخضوع عبر قيم الطاعة والانضباط والتراتبية داخل الجمهور الشاب. في هذا السياق، تُستثمر الرياضة من قبل الدولة كصمام أمان اجتماعي لتفريغ الغضب في الملاعب بدل الشوارع، ولترويج حلم النجاح الفردي أو الجمعي على حساب الوعي الجماعي، ضمن المنطق الوطني. كما يسهم الإعلام في صناعة الإلهاء وصوغ إجماع وطني وهمي حول رموز الدولة، كرئيس ناد أو الجامعة الوطنية الذي هو وزير مالية منتدب، حيث تُستغل لحظات الانتصار الرياضي لتغطية الأزمات الاجتماعية والسياسية. ومع ذلك، لا تُختزل الرياضة في هذا الدور، إذ تظل حقلًا مزدوجًا؛ فتعبيرات “الألتراس”(مجموعات تنظم الجماهير) تكشف عن إمكانات المقاومة داخلها، حين تتحول المدرجات إلى فضاءات احتجاج رمزي ضد النظام وسياسة الدولة، قبل أن تُواجه بالاحتواء أو القمع من خلال قمعها ومنعها من دخول الملاعب ورفع التيفوهات التعبيرية او الاعتقال أحيانا. هكذا، تظل الرياضة مرآة لصراع الهيمنة في المجتمع المغربي بين الإخضاع والمقاومة، والذي يشكل الشباب المغربي مركز هذا الصراع.
نحو هيمنة مضادة شبابية– شعبية
تتأسس الهيمنة الأيديولوجية على الشباب المغربي على شبكة متشابكة من المؤسسات؛ مثل المدرسة، والإعلام، والدين، والثقافة، ووسائل التواصل الاجتماعي؛ تُنتج موافقة نشطة على الوضع القائم. يفرض هذا الدور للهيمنة الإيديولوجية على قوى النضال تفكيك آلياتها، وكشف تناقضاتها وخطاباتها المضللة للشباب المتلمس لطريق التحرر، والسعي لبناء هيمنة شعبية مضادة عبر التعليم النقدي، والثقافة المستقلة، والتنظيم الجماعي. فالشباب المغربي ليس مجرد موضوع للضبط والمراقبة، بل حامل لإمكان تحرر ثوري.
بقلم: ماسين