يتدفق شباب-ات من دول إفريقيا جنوب الصحراء صوب بلدان شمال إفريقيا أملا في إيجاد فرصة للعبور في اتجاه أوربا الجنة الموعودة. ومع استمرار النزاعات المسلحة والانقلابات والأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية والأوبئة في دول الساحل وغرب إفريقيا وشرقها، تحدو تدفقات الهجرة نحو التصاعد.
الرأسمالية ترغم الشباب-ات على مغادرة إفريقيا والمغامرة في اتجاه أوربا
لعبت السياسات الاستعمارية بإفريقيا مند القرن الثامن عشر، خاصة مند مؤتمر برلين 1884/1885الذي استباح الأراضي الإفريقية وقسمها لمناطق نفوذ استعمارية، وقبلها التجارة الصحراوية وتجارة “العبيد”، دورا في استنزاف الثروات المادية والبشرية لإفريقيا. وتواصل ذلك بعد التخلص من الاستعمار، عبر سياسة المديونية وما وازاها من إجراءات نيوليبرالية، مما عمق استنزاف قارتنا. وكان للأنظمة الاستبدادية التبعية بالدول الإفريقية دورا في تفقير شعوبها وكبح التنمية ببلدانها، مما أفرز نخب محلية بالغة الثراء، تتنافس على قمم لوائح أثرياء العالم وشعوب تغرق في بحر من جحيم الفقر.
أرغمت هذه الظروف مجتمعة الشباب الإفريقي جماعات وفرادى على المقامرة بحياته، وشد الرحال عبر الصحراء الكبرى والبحر الأبيض المتوسط، في اتجاه المراكز الرأسمالية، خاصة أوربا، لتحسين ظروفه المعيشية.
المغرب دركي أوربا في وجه أفارقة جنوب الصحراء
يعد المغرب أول بلد في شمال إفريقيا والثاني إفريقيا بعد دولة جنوب إفريقيا من حيث استقبال مهاجري-ات جنوب الصحراء. ويوجد بالبلد حسب إحصاء 2024 حوالي 152142 مهاجر، تشكل النساء نسبة غير يسيرة منهم، يتصدرهم السنغاليون، والإيفواريون تم الغينيون والماليون. ينقسم هؤلاء إلى مهاجرين جاءوا إلى البلد من أجل العمل والدراسة أو كطالبي لجوء، لكن الكتلة الغالبة ولجت المغرب على أمل العبور إلى جنة أوربا الموعودة.
لجأ آلاف الشباب-ات الأفارقة إلى الاستقرار بالبلد، مع تضييق الخناق على الهجرة السرية، نتيجة تشديد القيود الأوروبية على الهجرة، مع صعود أحزاب أوربية يمينية متطرفة تعادي المهاجرين-ات. فخصص الاتحاد الأوربي برامج بملايين اليوروهات لدعم المراقبة والتجهيزات الأمنية والتعاون الاستخباراتي مع المغرب، ليتعذر الإقلاع من هذا الأخير نحو أوربا، مع الحراسة المشددة لأجهزة الأمن المغربية الساهرة على حراسة القلعة الأوربية، مقابل فتاة مساعدات،. فالسلطات المغربية أحبطت 73640 محاولة للهجرة السرية خلال عام 2025 وفككت أكثر من 300 شبكة لتهريب المهاجرين-ات. ومند 2013 أطلق المغرب “الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء” لإدماج المهاجرين-ات وتسوية وضعيتهم القانونية، فبين سنتي 2014 و2017 أطلق المغرب عمليتين لإدماج المهاجرين، شملت نحو43 ألف أجنبي معظمهم من إفريقيا جنوب الصحراء.
رغم تعاون النظام المغربي مع أوربا في قضية الهجرة السرية، يلجأ هذا النظام إلى استغلال المهاجرين-ات الأفارقة من أجل الابتزاز، سواء لرفع الدعم المالي المقدم إليه أوربيا، أو ابتزاز مواقف سياسية لصالح قضية الصحراء، فتتراخى المراقبة المغربية للحدود، ليبرز النظام أن ما يقدمه لأوربا من خدمة ليس بالهين. ويسقط الشباب الإفريقي ضحية هذه السياسة كما حدث سنة 2022 بمليلية، حيث قتل نحو 23 مهاجر وأصيب أكثر من 63 بجروح وفقد عشرات آخرون، بعد ما تدخلت السلطات القمعية الإسبانية والمغربية لإحباط محاولة 2000 شاب وشابة من إفريقيا جنوب الصحراء لاختراق السياج الحدودي لمدينة مليلية المحتلة.
لجـأ المهاجرون-ات الأفارقة للبحث عن سبل لكسب لقمة العيش، فاحترفوا التجارة بالتجوال، مثل المتاجرة في الحلي والإكسسوارات ومستحضرات التجميل والملابس الإفريقية، أو العمل في مجال الخدمات وفي قطاعات هشة.
العمال-ات الأفارقة استغلال مفرط في ضل غياب الاهتمام النقابي بأوضاعهم
ينتشر مهاجرو-ات جنوب الصحراء وأغلبهم شباب في مختلف مناطق المغرب، ويعيشون أوضاع بؤس، حيث يعانون البطالة، والسكن الهش، والعمل غير النظامي، إلى جانب صعوبة الولوج إلى التعليم والرعاية الصحية. يشتغل الآلاف منهم، خاصة في أوراش البناء والأنشطة الفلاحية بالضيعات، في وضعية فرط استغلال، ودون عقود عمل أو تغطية صحية، متعرضين للابتزاز. تعمل الدولة من حين لآخر على ترحيلهم-هن من مخيماتهم بالشمال كالناطور وطنجة، حيت يتربصون الفرص للمغادرة عبر المتوسط، صوب المدن الداخلية وحتى نحو المراكز الحضرية الصغيرة، لتوفير يد عاملة رخيصة في هذين القطاعين. وستستغل باطرونا قطاعي الفلاحة والبناء، تم باقي القطاعات مستقبلا، الوضعية غير المستقرة قانونيا لهؤلاء المهاجرين-ات، لعصرهم-هن لتحقيق مزيد من الأرباح، واستغلالهم-هن في أسوء الشروط، وفي أعمال لن تعد تلقى إقبالا من طرف العمال المحليين.
لم تلقى أوضاع الأفارقة المهاجرون-ات بالمغرب ما يكفي من اهتمام من قبل النقابات، وتنظيمهم-هن سواء كمهاجرين-ات أو كعمال وعاملات، فلم تفتح أغلب النقابات في وجههم-هن، ولا أخذت مطالبهم-هن محمل الجد، فهم جزء من طبقتنا العمالية، رغم أصولهم الأجنبية. لكن كيف لنقابات لا تنظم إلا نسبة قليلة من العمال-ات المحليين-ات أن تفتح دراعيها لعمال وعاملات من خارج الحدود؟
عنصرية مقيتة اتجاه الإخوة الأفارقة
يتعرض الأفارقة المهاجرون-ات جنوب الصحراء أحيانا لحملات مسعورة من السباب والعنصرية والكراهية في المدن التي تحوي تجمعات كبرى للمهاجرين، ويردون أحيانا على ذلك بالعنف الجماعي. وارتفع منسوب الحملات العنصرية سنة 2026، مع ما رافق نهائي الكان 2025، أمام السنغال من إحباط، حيث راهن الفريق المغربي على الفوز بكأس إفريقية غابت عنه لخمسين سنة. كانت أغلبية المهاجرين-ات الأفارقة بالبلد تنحدر من ذك البلد بالضبط، فاعتبرت تصرفات البعثة الرياضية السنغالية وأعمال عنف قام بها جماهيرها وكأنه رد للجميل بطريقة غير لائقة. فتنامى الخطاب العنصري، وعمت مطالب ترحيل المهاجرين-ات الأفارقة وسائل التواصل الاجتماعي. وزادت الأزمة الاجتماعية المستفحلة بالبلد من انتشار البطالة وغلاء الأسعار من تعميق هذا المد العنصري،
يتغذى الخطاب العنصري في المغرب ضد المنحدرين-ات من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء على استغلال بعض الوقائع والتجاوزات التي تصدر عن أفراد، من دون توضيح ملابساتها لنفث سموم الكراهية البغيضة وشن حملات التحريض ضدهم. كما يتعمد هذا الخطاب إثارة الخوف عبر التهديد المتخيل وغير الواقعي، بخطر تغيير التركيبة السكانية بسبب الزيجات المختلطة. ويكرر العنصريون هنا الخطاب البغيض نفسه الذي يستعمله أقصى اليمين ضد المهاحرين العرب والمسلمين في أوروبا، والمعادي للنساء والأقليات والأجانب، رغم أن الثقل العددي لهؤلاء في تلك البلدان أكبر بكثير، وبما لا يقارن، مع نسبة الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء في بلدان شمال القارة الإفريقية.
ما العمل اتجاه العمال-ات الأفارقة بالمغرب؟
بدأ مؤخرا في الإعلام حملة للترويج للصعوبات والخصاص في اليد العاملة ببعض القطاعات، مثل الفلاحة وأشغال البناء، مع التشكي من ارتفاع في الأجور بما يهدد الأوراش والأنشطة الإنتاجية. لكن هل يُذكر التناقض بين معدلات بطالة مرتفعة من جانب، والحديث عن قلة اليد العاملة في الجانب الأخر؟ وهل يُطرح السؤال عن السبب الذي يجعل العمال-ات يمتنعون عن العمل مقابل أجور متدنية؟
بدلا من رفع سعر قوة العمل بما يتناسب مع الغلاء، يستعد الرأسماليون لتوسيع استقدام عمال وعاملات من بلدان أخرى لكسر الإضراب الفردي الصامت الذي يضطر العمال-ات إلى خوضه في بعض القطاعات الإنتاجية، خصوصا تلك التي تتطلب مجهودا أكبر. أما جواب الطبقة العاملة على مناورة الرأسماليين، فليس الرفض بدوافع عنصرية، بل العمل على تنظيم العمال والعاملات للنضال الجماعي ضد الاستغلال المكثف والأجور المتدنية التي تضمن الأرباح للرأسمالين.
لا يمكن لأي مدع الانتساب لليسار رفض بدل جهد للمساعدة على انضمام العمال والعاملات للمنظمات النقابية، بغض النظر عن جنسيتهم وعرقهم وعقيدتهم وجنسهم. فنحن طبقة، واحدة ولنا مصلحة واحدة في دك ركائز نظام الاستغلال الرأسمالي الذي لا يفرق بين الجنسيات أينما وجد. كما أن هذه الأقليات هي الأكثر تعرضا للاستغلال بفعل أحوالها القانونية، التي تدفعها لقبول العمل في ضل شروط بئيسة، وتضغط أوضاعها الصعبة على أوضاع العمال المحليين من حيث الأجور وظروف العمل، فما يرفضه العمال المحليون سيلقى قبولا من طرف العمال الأجانب.
علينا كنقابيين العمل على التصدي للتمييز الجنسياتي داخل أماكن العمل، والنضال من أجل مطالب شاملة للجميع، ومن أجل سياسات عمومية عادلة، وتكريس ثقافة التضامن بين العمال بغض النظر عن جنسياتهم. والعمل على إدماج المهاجرين-ات الأجانب في العمل النقابي عبر تنظيمهم في نقابات البناء والعمال الزراعيين وجمعيات ونقابات التجار الصغار بالأسواق التي يتواجدون بها، والاهتمام بأحوالهم-هن ومواكبتهم-هن عبر التكوين النقابي والقانوني، والتعاون مع النقابات في البلدان الإفريقية التي يلج منها المهاجرون-ات والجمعيات المدنية التقدمية المحلية والدولية المهتمة بهذا المجال. ومن شأن ذلك أن يواجه خطاب الكراهية داخل المجتمع وأماكن العمل، ويخفف من حدة الكراهية بين الشعوب الإفريقية، أملا في تعاون ووحدة شعوبها لهزم الأنظمة التبعية المُستبدة، وبناء مجتمعات ينتفي فيها الاستغلال.
بقلم: سامي علام