بمناسبة اليوم الأممي للعمال، تتوقف الطبقة العاملة في جل القطاعات عن الإنتاج، وتنزل فئات منها إلى الميادين استجابة للمركزيات النقابية في معظم البلدان التي انتزعت فيها بعض المكاسب الديمقراطية، رغم سيطرة الدول الرأسمالية الحامية لأرباب العمل.
في بلدنا المغرب، يحصل الأمر نفسه كل يوم أول من شهر ماي، بعدما تنطلق الترتيبات لهذا اليوم الأممي من كل الأطراف: أرباب العمل، والدولة الرأسمالية، والمركزيات النقابية، استعدادًا لتوجيه الطبقة العاملة وكافة المتضامنين معها في الاتجاه الذي تم الاتفاق عليه، وضمن الضوابط الحريصة على عدم المساس بنهج سياسة «السلم الاجتماعي» و«الوحدة الوطنية». وهذا ما سارت عليه الأمور لعدة عقود.
نجحت الدولة التي تمثل الرأسماليين، إلى حدود الساعة، في تحويل القيادات النقابية إلى شريك اجتماعي، وهذا ما سهّل لها تمرير هجمات على جل المكاسب التي انتُزعت في سياق الكفاح التحرري الوطني ضد الاستعمار المباشر، والتي لها فائدة على الأغلبية الساحقة من المغاربة، وبالأخص الطبقة العاملة. ماذا تبقّى من كل تلك المكاسب؟ تعمل الأقلية المسيطرة على الثروات والسلطة ليل نهار لتمرير المشاريع والقوانين الظالمة، ولشلّ أي فعل مستقل سياسي أو نقابي، أو لقمع كل نضال اجتماعي ونسوي وشبابي ضد هجماتها المستمرة. ومن النتائج الكارثية لخط الشراكة الطبقية التقلص المستمر للقاعدة النقابية لمستويات خطيرة. إذ كشف مستوى المشاركة العددية في مسيرات فاتح ماي انحدار تأطير المركزيات النقابية لصفوف الطبقة العاملة. وكان هذا التقهقر العددي للمشاركين في مسيرات هذه السنة محط تشفي للصحافة البرجوازية.
برجوازية تشن غاراتها… والقيادة النقابية تكبح الفعل النضالي العمالي
في سياق المعارك ضد العدو الطبقي المتيقظ دون توقف، تظل مقرات النقابات، محليًا وجهويًا ووطنيا، شبه مغلقة إلى غاية الساعات الأخيرة من موعد اليوم الأممي للطبقة العاملة، ثم تفتح أبوابها إلى منتصف النهار بعد نهاية الأشكال الاحتجاجية المخلِّدة، لتوصدها من جديد، وهكذا دواليك. فمن سيتصدى لكل هذه الغارات التي يخوضها الرأسماليون ضد الكادحين والكادحات؟
رغم أن معظم المنظمات النقابية الحالية تسيطر على مفاصلها قوى برجوازية ليبرالية واليمين الرجعي، وتستعملها في تنافسها كرافد لتعزيز فرصها في تولّي تسيير مؤسسات الواجهة، فقد تعززت البيروقراطية النقابية وتعزز اندماجها في المؤسسات، وتوطدت علاقتها مع الدولة. وفي المقابل، تعمّقت أزمة المنظمات النضالية العمالية، وتراجعت الدينامية الداخلية، وتصاعد التضييق ومحاربة كل النقابيين والنقابيات الديمقراطيين والكادحين، وحاملي مشروع التغيير الاجتماعي والسياسي، والساعين إلى بناء حزبهم العمالي الاشتراكي.
رغم صعوبات الراهن، فالمستقبل يبشّر بالأفضل، وليس ذلك حلمًا منفصلًا عن الواقع، بل استشرافًا يعززه تطور موضوعي يتجلى في اقتحام الشباب والنساء جلّ القطاعات الإنتاجية ومؤسسات الدولة. فالطبقة العاملة يتسع وزنها العددي ومكانتها الاقتصادية، وتنحو إلى التشبيب والنسونة. ويحمل ذلك تغيرات هامة تمس المجتمع برمته، وتخلق آمالًا للتغييرالمنشود مستقبلًا.
كانت فئات الشباب والنساء في مقدمة النضالات بمختلف القطاعات، وفي المبادرات المنظمة من جمعيات أو تنسيقيات أو فضاءات واسعة للنقاش والنضال الميداني خارج النقابات. ونموذج ذلك الحركة الاحتجاجية والمطلبية لشباب جيل زد أواخر 2025، الذين تعرضوا لحملة اعتقالات واسعة كشفت للواهمين بخطابات احترام حقوق الإنسان، والانتقال إلى عهد جديد، وطي صفحة الماضي، أن الدولة تظل أداة قمع واحتواء في خدمة الرأسماليين.
فالأقلية الرأسمالية، وبالتالي دولتها ونظامها السياسي، سائرة بكامل ثقة نفس في تطبيق السياسات النيوليبرالية، لا سيما خصخصة جل القطاعات العمومية، والاجهاز على صندوق المقاصة، بهدف إلغاء دعم المواد الأساسية، إضافة إلى إصلاح أنظمة التقاعد، وتفكيك الوظيفية العمومية…إلى غير ذلك. ولا ننسى أن تنفيذ هذه البرامج يمشي بموازاة نهب منظم للثروات الوطنية، وتحويل الملكية الجماعية للأراضي والعقارات والمياه والمعادن والغابات وغيرها للخواص.
ماذا بقي للطبقة العاملة والجماهير الكادحة من ضروريات الحياة؟ وماذا سيبقى للأجيال القادمة؟ إن صون المكاسب التاريخية قضية أساسية لوقف تدهور أوضاع العمال والكادحين. ويتطلب النجاح في ذلك وحدة المنظمات النقابية والجمعيات المناضلة والحركات النسوية المكافحة، وانخراط كل القوى النصيرة للنضال العمالي، لخلق ميزان قوى اقتصادي واجتماعي وسياسي قادر على انتزاع مكاسب نوعية وتغيير أوضاع شعبنا الكادح.
الأفكار الثورية تظل ساطعة وتعزز الحلم بالتغيير
إنّ التطورات التي يشهدها المجتمع المغربي، مثلما هو الحال في سائر بلدان العالم، مع الثورات الحاصلة في مختلف المجالات العلمية والتقنية والاجتماعية، ستسهم في زعزعة أسس البنيان الإيديولوجي الذي تسعى الدولة لتأبيده، من خلال التربية والثقافة المتمحورتين حول الملكية الخاصة والنظام الرأسمالي. ولن تظل الدولة قادرة على تحقيق النجاح في طمس الأسباب الحقيقية للفوارق الاجتماعية التي تتسع يومًا بعد يوم، بسبب انتشار البطالة والفقر المدقع والقمع الشديد.
إن الاستعداد لمواجهة الأعداء الطبقيين لا يتم بأسلوب الدعوات والنداءات إلى وحدة الطبقة العاملة وكافة من يناصرها، بل من خلال الفعل على أرض الواقع. وهذه الوحدة الفعلية ستجسدها فئة الشباب والنساء، نظرًا لطموحاتهم/هن في التغيير وعدم حملهم لانكسارات الماضي، وانفلاتهم من سيطرة البيروقراطية النقابية ومن هيمنة المنظمات السياسية التقليدية. فكل المعارك التي خيضت إلى الآن تشكل تراكمًا، لأن الأجيال الفتية ستتعلم من تجاربها السياسية. ومهما كانت مآل حركاتها الاجتماعية أو السياسية، فإنها بلا شك قد تشكل نقلة في المستقبل، عندما تغذي صفوف طليعة التغيير الثوري للطبقة العاملة.
فالوعي السياسي لا يكتسبه الإنسان في وقت وجيز، أو خلال فترة نشاط محدودة في حركة نضالية معينة، مثل الحركة الطلابية أو جمعيات المعطلين أو النقابات؛ بل هو مسار طويل، مرتبط بالنظرية والتطبيق، ويتجسد في الانضباط والتكوين المستمر في المجال السياسي، واستخلاص الدروس من الهزائم والانتصارات.
فالسير على هذا الدرب هو ما سيساعد على الوصول إلى بناء أدوات النضال العمالي والشعبي على أسس ديمقراطية تحترم بصدق جميع الآراء الفكرية والسياسية، من أجل تحقيق التغيير المنشود. وطبعا، فإن الأمل في ذلك يترسخ شيئًا فشيئًا لدى الماركسيين، ذكورًا وإناثًا، ويزيد من قوة الحلم بتحقيق الانتصار على الرأسمالية ودكّ دولتها، وبناء الاشتراكية على أنقاضها، وإنهاء مأساة الاستغلال الفظيع للإنسان وتدمير الكوكب بفعل فرط الإنتاجية.
إن الأفكار الثورية المنتمية إلى البروليتاريا تظل ساطعة وجبارة، مهما كان حجم من يتبناها، بوصفها مبادئ أساسية لبناء حزب العمال الاشتراكي الثوري.
فاتح مايو لعام 2026
بقلم: عاقل حليم