قبل أربع عشرة سنة، انفجرت انتفاضة شعبية في شمال أفريقيا، سرعان ما امتدّ لهيبها إلى الشرق الأوسط، فشكّلت زلزالًا عميقًا هزّ الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة؛ أسقط بعضها، وأجبر أخرى على تقديم تنازلات سياسية ومادية محدودة، بينما انزلقت أنظمة ثالثة إلى حروب أهلية مدمّرة.
في المغرب، برزت حركة 20 فبراير، وكان الشباب عمودها الفقري، كما هو الحال في أغلب بلدان المنطقة. غير أن هذه الحركة لم تبلغ من حيث الحجم والقوة ما بلغته نظيراتها الإقليمية. ويعود ذلك لخصوصية الأوضاع السياسية والاقتصادية بالمغرب، وأساساً لسياسة “التنفيس الواعي” التي نهجتها الملكية بالتخلص من إرث ثقيل (سنوات القمع السياسي، الملف الأمازيغي، دمج المعارضة الليبرالية…)، ومسلسل إدماج المنظمات النقابية والشعبية في استراتيجية الشراكة والسلم الاجتماعي، فضلاً عن إضعاف التنظيمات الشبابية سواء الطلابية أو المعطلين.
نجحت الملكية، بهذا المعنى، في تجاوز حراك 20 فبراير بأقل الخسائر الممكنة، من خلال تقديم تنازلات سياسية جزئية (تعديل دستوري، وإشراك حزب العدالة والتنمية في حكومة واجهة)، وأخرى مادية (زيادات في الأجور، تحييد النقابات، التغاضي عن البناء العشوائي وانتشار تجارة الشارع). وقد رافقت هذه التنازلات «من فوق» جرعات قمع دقيقة وتضييق متصاعد استهدف النضالات التي حاولت تجاوز سقف البرنامج المرسوم.
وهكذا، استنفد الحراك قدرته على الاستمرار بفعل افتقاده لمقومات القوة الضرورية لهزم الخصم، وفي مقدمتها الارتكاز على منظمات نضال عمالية وشعبية قوية، معبّأة ومسلّحة ببرنامج مستقل. وهو اختلال موضوعي لا يمكن تعويضه بالحماسة وحدها، ولا بإصرار أقلية من المناضلين والمناضلات على مواصلة المعركة.
وفي شتنبر 2025، حاول شباب حراك جيل «زيد» وصل ما انقطع مع تجربة شباب 20 فبراير، لكن في سياق سياسي أشدّ سوءًا؛ حيث بلغت منظمات النضال العمالي والشعبي درجة متقدمة من الضعف التنظيمي، وانخرط معظمها بسلاسة في تنفيذ الاستراتيجية النيوليبرالية. ورغم الانبعاث المفاجئ لهذا الحراك، ومشاركة فئات عمرية منزوعة التسييس، بلا تجارب نضالية سابقة – بل كانت تُصنَّف ضمن أجيال «معلّبة الوعي» ومشلولة التطلعات للتغيير – وبالتوازي مع حدث رياضي قاري أراده النظام منصة دعائية عالمية، جاء ردّه قمعيًا واسعًا وعنيفًا، بهدف واضح هو خنق الحراك في مهده ومنع تمدده.
وقد شمل ذلك اعتقال الآلاف، وتنظيم محاكمات سريعة انتهت بأحكام مشددة، فضلًا عن تفجّر أعمال عنف في أكثر من مكان، تثير الريبة حول الجهات المستفيدة منها. والأخطر من ذلك، اللجوء إلى الرصاص الحي ومقتل ما لا يقل عن ثلاثة من الشباب في القليعة، في ظروف تدحض الرواية الرسمية، كما أكدت تقارير حقوقية وإعلامية وشهادات عائلات الضحايا.
إن تجربتي حراك 20 فبراير وشباب “زيد” تؤكدان حقائق موضوعية متكررة؛ فطالما أن الأنظمة الحاكمة التابعة للإمبريالية قائمة، لن تلبي تطلعات الشبيبة الاقتصادية والاجتماعية ولن توفر الديمقراطية الحقيقية، فعجزها الاقتصادي-الاجتماعي يستوجب الديكتاتورية لقمع ضحايا سياستها. غير أن القمع، مهما بلغت شدته، قد يكسر اندفاعة الجماهير لحظياً ولكنه لن يمنع حتمية دورات النضال القادمة.
غير أن الدرس الجوهري الذي ينبغي أن تنقشه الشبيبة الاشتراكية في وعيها، هو أن الاندفاعات النضالية والانتفاضات الثورية، وإن كانت حتمية وتجد جذورها في بنية المجتمع الطبقي الحديث، لا يمكن أن تحقق النصر في مواجهة عدو طبقي أكثر تنظيمًا وقوة، دون بناء منظمات عمالية وشعبية مستقلة وراسخة، وعلى رأسها حزب يحوز ثقة الجماهير العمالية والكادحة، ويجمع أفضل عناصرها، ويمركز قوتها حول برنامج يستجيب لطموحاتها في بناء بديل ديمقراطي اشتراكي، نقيضٍ لأنظمة التبعية والاستبداد والاستغلال القائمة.
بقلم: الزيتونى طارق