عشاق الكرة العاجزون عن الدفع
خلال المقابلة التي جرت بين المنتخب الكاميروني ونظيره البنيني يوم الأربعاء الماضي في الملعب الكبير بأكادير، كانت المدرجات في البداية شبه خالية. لكن بعد مرور نصف ساعة، ارتفع عدد الحضور إلى 35,200 متفرج، رغم تهاطل الأمطار الغزيرة. وأثناء مباراة الفريق المصري ومنافسه الزمبابوي يوم الاثنين الماضي في نفس الملعب، حضر في بداية المباراة أقل من 1,000 متفرج، قبل أن تعلن شاشة الملعب أن عدد المتفرجين بلغ 28,199، مع بقاء المئات خارج الملعب بعد تدفق أعداد أخرى عند انتشار خبر الدخول المجاني للملعب.
انتشر خبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي يفيد بأن “اللجنة المنظمة لكأس الأمم الأفريقية لكرة القدم 2025، بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، سمحت بالدخول المجاني للجماهير بعد نحو عشرين دقيقة من انطلاق المباريات، بهدف ملء المدرجات في بعض اللقاءات”. لكن سرعان ما كذبت الجهة المعنية هذا الخبر، وأكدت أن الطريقة الوحيدة للدخول إلى الملاعب هي الحصول على تذكرة معتمدة، ولا سبيل غير ذلك. نحن أمام تناقض حقيقي: بطولة رياضية تُقام أمام مدرجات فارغة وجمهور متحمس لا يملك الإمكانيات المالية لاقتناء تذاكر المباراة. هناك جهة منظمة تسعى إلى نجاح التظاهرة بمعيار نسبة الحضور الجماهيري، لكنها في الوقت نفسه تركز على جني الأرباح المالية. إنه التناقض الذي يمتد جذوره في المجتمع الرأسمالي، حيث التناقض بين رغبة الجمهور والمصلحة الجماعية ضد منطق أرباح الشركات والملكية الخاصة ومصالح الأقلية. يتكون أغلب الجمهور الرياضي من شباب وفتيان، سواء كانوا طلابًا أو عاطلين عن العمل أو عاملين، ودخلهم محدود لا يسمح لهم باقتناء تذاكر عدة مباريات. بل إن الكثير منهم لا يستطيع حتى دفع ثمن تذكرة التنقل إلى الملعب، وغالبًا ما يعتمدون على مساعدة أصحاب المركبات. هؤلاء غالبًا ما يلجون إلى الملاعب مجانًا بعد مرور نصف الساعة الأولى، ويتحملون مشاقًا كثيرة، بما في ذلك الإهانات والعنف أحيانًا.
لكن الدرس الأهم هو أن الصورة الاستعراضية والتسويق الخارجي للمشاريع المتعلقة بالبنية التحتية والمنشآت الرياضية والتهيئة الحضرية للمدن المحتضنة للبطولة لا يمكن أن تخفي حقيقة أن شباب المغرب لا تتوفر لديهم القدرة المالية التي تسمح لهم باقتناء تذكرة ولوج مباراة كرة القدم من الصنف الثالث. إنها حقيقة تعكس واقع الأسر العمالية والشعبية، أي غالبية الشعب المغربي، التي قد تستهويها كرة القدم كرياضة شعبية، لكن قدراتها المالية تحرمها من حق مشاهدة المباريات بشكل مباشر داخل ملعب شُيد بالمال العام.
وراء الواجهة المبهرة لكأس أفريقيا، التي تروج لها الدعاية الكثيفة لمؤثرين من مختلف الجنسيات، والذين يحصلون على عيشهم من عائدات نسب المشاهدات والتغطيات التلفزيونية الواسعة، تقبع حقيقة لا يمكن حجبها أبدًا، حقيقة تجد دائمًا السبيل للظهور كالشمس خلف السحب الكثيفة.
الرياضة أداة الأنظمة السياسية ومنجم ذهب للرأسماليين
تستخدم الأنظمة السياسية التظاهرات الرياضية كأداة لقصف عقول الملايين من المتابعين على كوكب الأرض. وللنيل بسبق استضافة هذه الفعاليات، لا تتردد الأنظمة الأقوى في ممارسة الضغوط لإزالة المنافسين، كما فعل دونالد ترامب لاستضافة كأس العالم 2026 المقبلة. وتضخ الدول الأغنى أموالاً طائلة تتجاوز بكثير العائد المالي للتظاهرة، كما حدث في كأس العالم 2022 في قطر.
أصبحت الرياضة والمال والسياسة متداخلة في قلب التظاهرات الكبرى، فلم يعد البعد الإنساني والصحي والمتعة سوى جزء بسيط من شبكة معقدة من الصفقات المالية الضخمة وفضائح الفساد الدورية، ونهب المال العام لصالح الشركات الخاصة الأجنبية والمحلية. وأضحت الأنظمة السياسية الباحثة عن إضفاء الشرعية على حكمها تلجأ إلى تنظيم التظاهرات الرياضية، وتستولي على انتصارات الفرق واللاعبين الأفراد لتقديمها كدليل على نجاح سياستها.
تنظيم بطولة كأس إفريقيا للأمم 2025-2026 وكأس العالم 2030 في المغرب ينطوي على تحقيق أهداف معلنة تتجاوز البعد الرياضي البحت. فالهدف المركزي للنظام المغربي المعلن هو ترسيخ المغرب في أذهان الرأي العام العالمي كقوة اقتصادية رئيسية في إفريقيا، والترويج لاستقرار النظام السياسي في وضع إقليمي مضطرب، وتسويق المغرب كواجهة سياحية واستثمارية مغرية.
رافق تنظيم البطولة الإفريقية استقبال أبرز المؤثرين في القارة، حيث استفادوا من برنامج استقبال دقيق. وبفضل ذلك، انتهزوا الفرصة لتوسيع قاعدة متابعيهم وزيادة إيراداتهم، وأغرقوا وسائل التواصل الاجتماعي بمحتوى غزير عن البنية التحتية الحضرية والمساحات الخضراء والملاعب المشيدة حديثًا. حتى خيل للمغاربة أنهم غرباء عن واقعهم، وأصابهم العمى عن رؤية الابهة التي يحسدون عليها. لكن بعد أسابيع قليلة سيعود الشعب، بعد أن تتبدد سكرة الكرة المستديرة، الى حقيقة واقعه الحقيقي الذي لن يغيره فعلا الا التنظيم الجماعي ضد مستغليه وتسلحه بوعي مصالحه التي يحجبها الاعلام الرسمي.
بقلم:أحمد أنور