الموقع تجريبي

مرامي البنك الدولي في واحات أوفوس بالراشدية وأقا بطاطا

تنتمي واحتا أقا و أوفوس إلى الشريط الواحي الحدودي مع الجزائر. يبلغ عدد سكان أقا (إقليم طاطا – جهة سوس ماسة) نحو 13 ألف نسمة، فيما تضم أوفوس (إقليم الرشيدية – جهة درعة تافيلالت) حوالي 10,423 نسمة حسب إحصاء سنة 2024. وتعتمد هذه المناطق على قوة سواعدها، اذ يظل البشر محور أي دينامية اجتماعية، ويرتبط فعله الجماعي بمدى توفر الطاقات المؤهَّلة القادرة على الارتقاء بالبنية المجتمعية. غير أن الواقع الاجتماعي- الاقتصادي في هاتين الواحتين يتسم بالهشاشة البنيوية، وهو ما ينعكس سلبًا على استمرارية النمط الواحي التقليدي.

تعاني المنطقة من تراجع الموارد الطبيعية بفعل التغير المناخي، ومن مناخ صحراوي جاف يُضعف دخل الأسر ويُقوّض الأنشطة الاقتصادية المحلية. وهذا ما يدفع نحو هجرة واسعة للشباب إلى المراكز الاقتصادية الكبرى، مفاقمًا اختلال التوازن الديمغرافي وفقدان اليد العاملة النشيطة الضرورية لاستمرارية الأنشطة الفلاحية، والصناعة التقليدية، وبدرجة أقل الأنشطة السياحية… هكذا تمثل الواحات- شأنها شأن كل العالم القروي- مُصدِّرا صافيا لليد العاملة نحو المُدن، وتُحرَم الواحات بذلك من أهم مصادر الثروة إلى جانب الطبيعة وهو البشر.

مشروع PROGREEN وتمظهراته في PROGEDOM

منذ 2023، روّج البنك الدولي لمقاربة جديدة لـ”دعم الواحات المغربية” عبر قرض بـ 350 مليون دولار تحت شعار “محاربة آثار الجفاف”. تحوّل هذا التمويل تدريجيًا إلى مشروع التدبير المستدام للنظم البيئية الواحية PROGEDOM، بشراكة مع الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان ووزارة الفلاحة، بميزانية تناهز 164 مليون درهم، منها 121 مليون درهم كهبة من البنك الدولي. ويستهدف المشروع واحات أوفوس وأقا باعتبارها مناطق “هشة” بحاجة إلى “التأهيل”.

يعلن المشروع أهدافًا متمثلة في:

تعزيز قدرة الواحات على التكيف مع التغيرات المناخية. واستعادة النظم البيئية الواحاتية. ويهتم بدعم الوظائف الخضراء (الفلاحة، السياحة البيئية، الحرف). أضف لذلك دمج مفهوم “الواحة الذكية”، والغاية المُدَّعاة هي تنويع الدخل وتحسين عيش الساكنة.

غير أنّ هذا الخطاب يندرج ضمن السردية النيوليبرالية التي توظّف مفاهيم “الاستدامة” و“ريادة الأعمال” لتسويق سياسات تدخل تركز على تفتيت البنيات الاقتصادية المحلية بدل دعمها هيكليًا، وعلى إدماج اقتصاد الواحات في سلاسل القيمة الرأسمالية بدل تعزيز سيادته البيئية والغذائية.

من المستفيد فعليًا؟

حسب وثيقة تقييمية نشرها البنك الدولي بتاريخ 30 أكتوبر 2025، أُطلق عدد من المشاريع الفرعية، أهمها:

* تشجير 20 مدرسة (نسبة تقدم 88%).

* تمويل 12 مشروعًا للسياحة الواحية في أوفوس والرتّب.

* تمويل 25 مشروعًا يخصّ النساء والشباب، الاقتصاد الاجتماعي، إدارة النفايات.

* اختيار 48 مشروعًا في واحة أقا تخصّ النباتات الطبية، الخدمات الفلاحية، وتسويق المنتجات.

لكن قراءة هذه المعطيات تكشف أن معدل الاستفادة هو مستفيد واحد لكل 300 شخص تقريبًا من أصل 23 ألف نسمة. وهو ما يؤكد الطابع المحدود والنخبوي للمشاريع، ويكشف أن الاستفادة تُمنَح لفرادى أو تعاونيات محدودة العدد، بدل إحداث تغيير بنيوي جماعي، وهو ما ينسج مع منطق “الحماية الاجتماعية” و”برامج محاربة الفقر” التي روج لها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بعد انتهاء عشرية تطبيق برنامج التقويم الهيكلي، برامج تقوم على استهداف أكثر ضحايا السياسات النيوليبرالية ببرامج إحسان عمومي أو برعاية منظمات المجتمع المدني، بينما تستمر نفس السياسات التي تؤدي إلى الكوارث الاجتماعية والبيئية.

إضافة إلى ذلك، تُسند عملية انتقاء المشاريع إلى مؤسسات غير منتخبة خاصة وزارة الداخلية، وتُفرَض على حاملي المشاريع أكثر من 30 إجراءً وتطلب 11 وثيقة، ما يجعل الاستفادة مشروطة ببُعد بيروقراطي وإقصائي لا يتناسب مع هشاشة الساكنة.

خلفيات الاهتمام المالي الدولي بالواحات

تقدّم المؤسسات الممولة خطابًا يعتبر الواحات “فضاءً واعدًا لريادة الأعمال” و”حاضنة لفرص الاقتصاد الأخضر والسياحة”، لكن الواقع يبيّن أن الإنتاج الاقتصادي هشّ، والخدمات الأساسية شبه متدهورة.

فواحة أوفوس-الرتّب خضعت منذ الألفية لتحول سياحي “إيكولوجي” في الظاهر، لكنه في العمق تسليعٌ رأسمالي للطبيعة، حيث بُنيت وحدات استقبال داخل الواحة، مما شوّه المشهد البيئي وتقلص الواحة التقليدية. تفقد سنويا ما بين 700 و500 نخلة في الواحة التقليدية اوفوس بسبب عوامل كثيرة منها الحرائق او الفيضانات أو الجفاف، مع غياب منظومة صرف صحي ملائمة، بدأت آثار التلوث تظهر في الخطارات وقنوات الري، ما يُنذر بتكرار السيناريو نفسه بأقا في حال توسّع الاستثمار السياحي الخاص.

التدهور البيئي كحصيلة لمنطق الربح

تقرّ الوكالة الوطنية ANDZOA نفسها بوجود هشاشة وتهديد بيئي متنامٍ. لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام الفاعلين العموميين والخواص لـ“اقتراح حلول مبتكرة”، وهي لغة تُخفي وراءها تعميم الشراكات مع الرأسمال الخاص وتوجيه الواحات نحو منطق السوق.

الحقيقة أن التدهور البيئي لا ينفصل عن خيارات الدولة المتمثلة في:

* السماح للرأسمال الخاص باستغلال مئات الهكتارات لإقامة ضيعات ضخمة (المجهول، المورينغا، البطيخ الأحمر، الطماطم…).

* دعم هذه المشاريع عبر تحفيزات مالية وتقنية رغم أنها تستنزف الفرشة المائية بشكل كارثي، وتسمح باستعمال مكثف للمبيدات والأسمدة يهدد التوازن الإيكولوجي ويقضي على التنوع البيولوجي المحلي.

إنّ هذه الزراعات التصديرية ليست امتدادًا للواحة بل نقيضها. فهي تقوم على منطق الربح، والاستهلاك المفرط للماء، وخلق مسارات إنتاج لا علاقة لها بالحاجات المحلية ولا بالاستدامة.

تكشف تجربة PROGEDOM أن تدخل البنك الدولي في الواحات ليس مشروعًا “بيئيًا” بالمعنى الحقيقي، بل آلية لدمج الواحات في الدائرة النقدية للاقتصاد الرأسمالي عبر:

* تركيز التمويل في مشاريع صغيرة متناثرة.

* خلق شبكات زبونية حول “الفرص الخضراء”.

* تسليع المجال الطبيعي والسياحي.

* توسيع نفوذ الرأسمال الزراعي على حساب النظم الواحية التقليدية.

أي بدائل لواحة مستدامة

إنّ حماية الواحات لن تتحقق إلا عبر مقاربات جذرية، تتمثل أساسا في السيادة المائية والغذائية، والعمل على تقوية البنيات الجماعية التقليدية (الخطارات، السواقي، العمل الجماعي)، وتحويل الثروات لصالح السكان، ودعم فعلي للشباب والنساء اللذان يشكلان أغلبية مستقري- ات الواحات عموما، علاوة على تمكينهم- هن من الاستفادة من الأراضي الجماعية وتبسيط مساطر الاستفادة مع ضرورة الاهتمام بالجانب المحلي، كالمزروعات والبذور الأصلية والخدمات والصناعة التقليدية في قلب أي سياسة تنموية تستهدف الواحة.

بقلم: ماسين

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟