” لقد سلبتم أحلامي وطفولتي بكلامكم الفارغ. ومع ذلك، فأنا من المحظوظين. الناس يعانون. الناس يموتون. أنظمة بيئية بأكملها تنهار. نحن في بداية انقراض جماعي، وكل ما تتحدثون عنه هو المال وخرافات النمو الاقتصادي اللامتناهي. كيف تجرؤون! “
من خطاب غريتا ثونبرغ[i] في مؤتمر المناخ COP25 في مدريد في عام 2019
انعقد مؤتمر الأطراف (COP) بشأن تغير المناخ للمرة الثلاثين من 10 إلى 22 نوفمبر الماضي، وهذه المرة في بيليم، في قلب غابات الأمازون المطيرة. وعلى الرغم من الأهمية الرمزية للموقع، الذي يُعتبر رئة كوكبنا، فقد اعتمد المشاركون، الذين يمثلون 200 دولة، بيانًا ختامياً ضعيفًا بشأن العمل المناخي، دون خطة أو التزام واضح بالتخلص من الوقود الأحفوري، مما يُعتبر حصيلة أكثر إحباطًا من مؤتمرات الأطراف السابقة.
أصبحت مؤتمرات الأطراف اجتماعات للاعتراف بالفشل في الوفاء بالالتزامات المتفق عليها سابقًا وإضفاء الطابع الرسمي عليها، وتكرار الاعتراف بالخطورة المتزايدة للوضع، وأحيانًا لتقديم التزامات جديدة مع ربطها بتلبية متطلبات السوق. هذا العام، لاحظ المشاركون الفشل في تحقيق هدف آخر تم تحديده قبل عشر سنوات خلال مؤتمر الأطراف 21 في باريس: الحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة أقل من 1.5 درجة مئوية منذ بداية العصر الصناعي. وقد تم تجاوز هذه العتبة كسابقة تاريخية في العام الماضي، 2024. للأسف، لم تعد قمم المناخ طقوسًا دبلوماسية فاشلة فحسب، بل تحوّلت إلى مسرح رسمي لشرعنة الكارثة، ومثال صارخ على العجز والتواطؤ والانبطاح الكامل أمام لوبيات كرتيلات النفط.
المشاركة المغربية: تجنب المواضيع التي تزعج “البترودولار” وتشجيع المزيد من الرأسمالية الخضراء
لم تختلف مشاركة الوفد المغربي الرسمي عن المشاركات السابقة[1]، حيث قدم تحديثًا لمساهماته المحددة وطنيًا (NDC 3.0)، والتي تدعو هذه المرة إلى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 53% بحلول عام 2050، مع كون 22% غير مشروطة. كما طالب بتمويل للـ 31% المتبقية وللتكيف في إطار المادة 9.1. لم يكن هناك أي ذكر لحقنا، كبلدان الجنوب العالمي الأكثر عرضة لتغير المناخ، في التعويض، ناهيك عن الديون البيئية المستحقة لنا من الشركات متعددة الجنسيات في الشمال. وكما كان الحال في دبي، كان مؤتمر الأطراف أيضًا فرصة لتوقيع مزيد من الاتفاقيات التجارية مع شركات القطاع الخاص، مما يندر بمزيد من الخصخصة والاستيلاء على الأراضي و الموارد بحجة الانتقال الطاقي[ii].
قمة أخرى تحت سيطرة لوبيات النفط
بينما غاب جميع قادة الدول الأكثر تلويثًا، حضر 1,600 ممثل عن شركات النفط والغاز—كأكبر وفد في القمة بعد الدولة المضيفة. ولنتذكر أن مؤتمرات الأطراف الأخيرة نظمت في بلدان تعتمد اقتصاداتها على الوقود الأحفوري (دبي، الإمارات العربية المتحدة) و(باكو، أذربيجان) حتى أن رؤساء شركات النفط كانوا على رأس اللجنة المنظمة لمؤتمر الأطراف!!
للتذكير، ينفق مُستثمرو الوقود الأحفوري والصناعات المرتبطة به (السيارات، الكيماويات، البلاستيك، إلخ) مبالغ طائلة لتمويل وترويج نظريات مُشككة في تغير المناخ، وخاصةً اللحظة الحالية لتأخير أي اتفاق أو قرار بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. بين عامي 2015 و2019، مثلا أنفقت شركات النفط الكبرى (إكسون موبيل، شل، شيفرون، بي بي، توتال) مليار دولار على الضغط السياسي، وحوالي 200 مليون دولار سنويًا على الضغط السياسي فقط (وفقًا لمنظمة InfluenceMap غير الحكومية).
سوف نستمر في رأسمالية الكوارث واستعمارنا الأخضر، ولتنقذنا آلهة السوق!
في الوقتٍ الدي يتوقع فيه الخبراء ارتفاعًا في درجة حرارة الكوكب بمقدار 2.6 درجة مئوية على الاقل بحلول نهاية القرن، استنادًا إلى المعلن من المساهمات المحددة وطنيًا ،تعمل الطبقات المهيمنة التي تقودنا نحو الكارثة لاستعمال مؤتمر الأطراف للترويج، مجددًا، لحلولٍ قائمة على المنطق الوحيد والدين الوحيد الذي تؤمن به: السوق.
اليوم، لدينا قائمةٌ واسعة من الحلول الزائفة وفخاخ الاستعمار الأخضر الجديدة، مثل أسواق الكربون، وآليات تعديل حدود الكربون، و”المناطق الصناعية الخضراء” منخفضة التكلفة، واستخراج الطاقة المتجددة، والتمويل المختلط، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، والاستثمارات منخفضة المخاطر، ومقايضات الدين بالطبيعة، والسندات الخضراء، وغيرها
كل هده الحلول الزائفة لا تتعدى ان تكون شكلا آخر من أشكال رأسمالية الكوارث – كما تُحللها نعومي كلاين في كتابها “المعالجة بالصدمة: صعود رأسمالية الكوارث” – حيث يرى الرأسماليون في أزمة المناخ فرصة جديدة لإثراء أنفسهم وتحقيق أرباح أكبر.
الرأسمالية الخضراء هي أيضًا شكل جديد من الاستعمار، وقناع جديد لنهب قديم ومستمر: استعمار الأراضي، والاستيلاء على الموارد، وخلق فرص ربح جديدة للشركات متعددة الجنسيات. حيت ُبقي نموذج التنمية الاستعماري الجديد الدول المُستعمَرة في حالة من التبعية، ويحولها إلى مصادر للمواد الخام: المعادن النادرة أو الاستراتيجية والعمالة الرخيصة، ومُنتجة للمنتجات الزراعية والحيوانية للتصدير، ومكبات نفايات مفتوحة – بالإضافة إلى أحواض كربون يستغلها الرأسماليون لتحقيق مكاسبهم الخاصة – وفي النهاية، تكون شعوبها أول ضحايا الأزمة البيئية. تتحمل النخب المحلية الفاسدة مسؤولية جسيمة، لأنها اختارت خدمة المصالح الاستعمارية بدلاً من دعم نموذج تنمية بديل قائم على قيم اجتماعية مُغايرة .
قمة الشعوب الموازية : الشعوب وحدها تنقذ الشعوب!
خارج المنطقة الزرقاء المحصّنة، كان هناك عالمٌ آخر: شعوب أصلية، حركات نسوية، فلاحون، عمّال، شباب، مقاومون من كل القارات. بالنسبة لهؤلاء مؤتمر الأطراف هو مجرد مهزلة، مؤتمر الأطراف ليس سوى مسرحية تحاول من خلالها الطبقات الحاكمة إقناعنا بأن مشكلة تغير المناخ قيد المعالجة، وهو أمرٌ غير صحيحٍ تمامًا بالنظر إلى الحقائق!
إحدى الناشطات من السكان الأصليين عبرت عن دلك بوضوح: لسنا ضد وجود قمة… نحن ضد تحويلها إلى قناع يخفي استمرار النهب[2]
كما نُظمت مسيرة شعبية حاشدة تحت شعار الشعوب وحدها تنقذ الشعوب!» شارك فيها أكثر من 70 ألف شخص يوم السبت 15 نوفمبر 2025.
بالموازاة مع مؤتمر الأطراف 30، نٌظمت قمة الشعوب من 12 إلى 16 نوفمبر بمشاركة العديد من المنظمات المناضلة من جميع أنحاء العالم، ومنها الشبكة العالمية “فيا كومبيسينا” وحركة الفلاحين بدون أرض مع حضور مميز و قوي لممثلات و ممثلين عن السكان الأصليين. خلاصة النقاشات يمكن ايجادها في اعلان قمة الشعوب حيث أكد أن: النظام الرأسمالي والأبوي والاستعماري والإمبريالي هو أساس أزمة المناخ، والتضامن الدولي بين شعوب العالم وحده كفيلٌ بإنقاذنا.
وهكذا انتهت الدورة الثلاثين لمؤتمر الأطراف بمزيد من خيبة الأمل والإحباط في انتظار تعبئة عامة وعالمية لمن هم في الأسفل الذين (المأجورين و المأجورات، والمزارعات والمزارعين الصغار، والشعوب الأصلية، والشباب، …) نحو ثورة اشتراكية بيئية تحررنا من نظام مدمر للبشر وللطبيعة غير البشرية.
سعيد إبراهيم-دجنبر- 2025
[1] ” في منظور الطبقات الحاكمة و النخبة في المغرب للمسألة البيئية” موقع أطاك المغرب
[2] كل ما لم يتحدث عنه مؤتمر الأطراف الثلاثين » Tout ce dont la COP 30 n’a pas parlé – le club Media part Novembre 2025
[i] ، غريتا ثونبرغ مناضلة أممية من أجل عدالة بيئية ومكافحة الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني
[ii] الاشتراكية البيئية: رهاننا الثوري لمواجهة الهمجية الرأسمالية جريدة المناضلة – أكتوبر، 2025