ليس الثامن من مارس مناسبة للاحتفال الرمزي، بل لحظة مساءلة جذرية: من يُعيد إنتاج هذا المجتمع كل يوم؟ ومن يستفيد من هذا العمل؟
الرأسمالية لا تقوم فقط على استغلال العمل المأجور داخل المعامل والشركات والأسواق، بل على بنية أعمق وأخفى: إعادة الإنتاج الاجتماعي. أي مجموع الأنشطة التي تضمن إعادة إنتاج قوة العمل واستمرار المجتمع ككل، من الانجاب ورعاية الأطفال، وتنظيف البيوت، وإعداد الطعام، والعناية بالمرضى والمسنين، إلى الدعم النفسي والعاطفي وتنظيم الحياة اليومية. هذا العمل، الذي يشكل القاعدة المادية لاستمرار النظام الرأسمالي، يتم غالبا في الفضاء الخاص داخل الأسرة، وتتحمله النساء دون أي مقابل مادي أو اعتراف اجتماعي بحجمه وقيمته.
يُقدَّم هذا العمل عادة باعتباره “واجباً طبيعياً” أو “امتداداً لغريزة”، لكنه في الحقيقة عمل اجتماعي كامل الأركان. فهو لا يحافظ فقط على الحياة، بل يُنتج يومياً الشروط التي يقوم عليها الاقتصاد نفسه. فالعامل-ة الذي يدخل إلى المصنع أو المكتب كل صباح هو نتاج سنوات من الرعاية والتغذية والتعليم والاهتمام الصحي والدعم النفسي. هذه العمليات ليست تفاصيل ثانوية، بل هي ما يجعل العمل المأجور ممكناً أصلا.
غير أن المفارقة تكمن في أن هذا العمل، رغم مركزيته، يُعامل كأنه غير موجود اقتصادياً. فهو يُستبعد من الأجور ومن الاعتراف ومن السياسات العمومية . وهكذا يستفيد النظام الرأسمالي مرتين: فهو يستغل العمل المأجور في السوق، وفي الوقت نفسه يعتمد على عمل غير مأجور داخل البيوت يعيد إنتاج قوة العمل بأقل تكلفة ممكنة. فالعامل الذي يذهب إلى عمله كل صباح ليس مجرد فرد معزول؛ إنه نتاج شبكة كاملة من أعمال الرعاية والتنظيم اليومي التي تضمن صحته الجسدية واستقراره النفسي وقدرته على الإنتاج. غير أن كلفة هذه الشبكة لا يتحملها رأس المال، بل تُلقى على عاتق الأسر، وعلى النساء تحديداً. هكذا يتحول العمل المنزلي إلى دعامة صامتة لتراكم الأرباح.
تتجلى هذه الحقيقة بوضوح أكبر في أوقات الأزمات. فحين تهتز المنظومة، لا تتحمل البنية الاقتصادية مسؤوليتها الاجتماعية كاملة، بل تعيد توزيع العبء نحو الأسرة. وقد كشفت جائحة كوفيد هذه الآلية. مع إغلاق المدارس، تحولت الأمهات إلى مدرسات داخل البيوت؛ ومع الضغط على المنظومات الصحية، أصبحت النساء يقمن بأدوار التمريض والرعاية المنزلية؛ ومع العزلة والخوف الجماعي، تحملن العبء النفسي والعاطفي داخل الأسر. في لحظة واحدة، توسّع نطاق عملهن غير المؤدى عنه ليشمل وظائف كان يفترض أن تتحملها مؤسسات عمومية.
لم تكن هذه “بطولة نسائية” كما رُوّج لها أحياناً، بل إعادة تحميل قسرية لكلفة الأزمة على أجساد النساء ووقتهن وطاقتهن. فحين تنسحب الدولة أو تتقاعس عن أداء مهامها أدوارها الاجتماعية، لا تختفي هذه الأدوار، بل تنقل داخل البيوت. وكل تقليص في الخدمات العمومية ، في الصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية يعني عملياً ساعات إضافية من العمل غير المأجور للنساء. هكذا يتحول جسد المرأة ووقتها إلى صمام أمان يمتص صدمات النظام ويحافظ على استقراره.
من هنا تكتسب الدعوة إلى الإضراب النسوي في 8 مارس معناها العميق. فالإضراب لا يقتصر على التوقف عن العمل المأجورفقط، بل يشمل أيضاً الامتناع الرمزي أو الفعلي عن أعمال الرعاية والتنظيم اليومي. إنه فعل سياسي يكشف ما يُراد له أن يبقى غير مرئي. فعندما تتوقف النساء، لا تتعطل شركة واحدة فقط، بل يختل الإيقاع الكامل للحياة الاجتماعية. يتباطأ التعليم، تتعثر الرعاية، يختل التنظيم اليومي للأسر، وتتعرى هشاشة النظام الذي يعتمد على هذا العمل دون أن يعترف به. الإضراب النسوي ليس مجرد احتجاج، بل تجربة عملية تُظهر أن ما يُعتبر “طبيعياً” أو “بديهياً” هو في الواقع جهد اجتماعي هائل يُبقي العالم قائماً.
في الثامن من مارس، يطرح الإضراب النسوي سؤالاً لا يمكن تجاهله: إذا كان المجتمع يعتمد في بقائه على عمل النساء، فكيف يُعقل أن يظل هذا العمل مهمشاً، غير مرئي، وغير معترف به؟ إن المساواة لا تختزل في إدماج النساء داخل السوق بشروطه القائمة، بل تعني إعادة تنظيم المجتمع نفسه، بحيث تصبح الرعاية مسؤولية جماعية، وتُدعم بخدمات عمومية قوية، ويُعاد توزيع العمل والوقت والموارد على أساس المساواة والعدالة.
حين تتوقف النساء، لا يتوقف جزء من الاقتصاد فقط، بل ينكشف الأساس الذي يقوم عليه كله.
حين تتوقف النساء، يتوقف العالم.
بقلم: ياسمين