يسعى الرأسماليون لجنى معدلات ربح مرتفعة بالاستثمار في قطاعات خدمية وترفيهية مثل السياحة، فأصبحت عائدات السياحة مصدرًا مهمًا للعملة الصعبة في بلدان عديدة. لكن وراء الواجهة الإعلانية المبهرة لجذب السياح ثمة خلفية سافلة من الجريمة المنظمة، تقودها شبكات الاتجار بالبشر التي تجلب ضحاياها من دول متعددة بطرق مختلفة، وتجبرهم/تجبرهن على العمل أو تغريهم/تغريهن بالانخراط في الدعارة التجارية. وتشكل النساء والقاصرين/القاصرات غالبية ضحايا شبكات الجنس التجاري.
تناول الاشتراكيون/الاشتراكيات الأوائل قضية الدعارة من منظور طبقي جذري، ودرسوا أسبابها في ظل المجتمع الرأسمالي، وطرحوا برامج للتحرر من أقدم المهن في التاريخ. اليوم تتخذ المسألة أبعادًا جديدة في ظل رأسماليةٍ تعاني أزمة عميقة وتميل إلى بيع الخدمات والمضاربات بدل الاستثمار الإنتاجي.
دور الإعلام الاشتراكي هو تسليط الضوء على الاضطهاد والاستغلال وكشفهم وتعبئة الضحايا؛ فهو يفضح نفاق دعاية الطبقة الحاكمة التي تهتكت قيمها وتآكل مجتمعها بفعل الملكية الخاصة، بينما ترفع شعارات زائفة عن العفة والأخلاق.
ستستمر المناضلة الاشتراكية في نشر نصوص تحليلية حول الدعارة لتزويد المناضلات والمناضلين بأدوات لفهم الظاهرة وجذورها، وكيفية النضال ضدها وتنظيم الضحايا وفضح المستغلين الذين يجنون أرباحًا طائلة من مأساة الضحايا.
المناضلة الاشتراكية
*************
تعدّ مسألة الدعارة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المجتمعات الحديثة، إذ تتقاطع فيها أسئلة الأخلاق، والحرية الفردية، والاقتصاد السياسي، ومكانة المرأة في النظام الرأسمالي. ويتركز النقاش المعاصر حول سؤال محوري: هل تمثل الدعارة “مهنة” يمكن تقنينها لحماية من يمارسونها، أم أن هذا التقنين لا يعدو كونه شكلاً جديداً من أشكال تسليع الجسد، خاصة جسد المرأة، لخدمة منطق الرأسمالية؟
1- الأسس الليبرالية لتقنين الدعارة
في ظل النظام الرأسمالي المعاصر، تبرز دعوات لتقنين الدعارة تحت مسمى “العمل الجنسي”. و تجدر الاشارة هنا اولا الى ان الدفاع عن تقنين الدعارة لا يصدر عن مصدر واحد، بل عن تقاطع بين الليبرالية، الدولة، النسوية الليبرالية، والمنطق الرأسمالي. وما يجمع هذه الأطراف، رغم اختلاف دوافعها، هو قبولها بالإطار الاقتصادي القائم، وتعاملها مع الدعارة كمسألة تنظيم داخل السوق، لا كنتاج لعلاقات اضطهاد يجب تفكيكها.
تُطرح مسألة الدعارة غالبًا في النقاش العمومي بوصفها قضية “حرية فردية” أو “مهنة” يمكن تقنينها لحماية النساء. فيرتكز الخطاب المدافع عن تقنين الدعارة أساسًا على مقاربة ليبرالية–حقوقية، ترى في الدعارة نشاطًا فرديًا ينبغي إخراجه من دائرة “الانحراف” أو “الجريمة” وإدماجه ضمن الإطار القانوني للدولة. ويقدّم هذا التيار مجموعة من المبررات يمكن تلخيصها في المحاور التالية:
- الدعارة كاختيار فردي وحق شخصي
يعتبر المدافعون عن التقنين أن الدعارة تعبير عن حرية الفرد في التصرّف في جسده، ويرفضون أي تدخل للدولة أو المجتمع في هذا القرار. ووفق هذا التصور، فإن منع الدعارة أو تجريمها يُعدّ وصاية أخلاقية تنتهك الحق في الاستقلال الجسدي.
وينطلق هذا الطرح من فكرة أن النساء (أو من يمارس الدعارة عمومًا) فاعلات عقلانيات قادرات على اتخاذ قراراتهن بحرية، وأن الجسد ملك خاص يمكن استخدامه كأي مورد آخر في السوق.
- التقنين كوسيلة للحماية القانونية والصحية
حجة مركزية أخرى تتمثل في أن تقنين الدعارة يوفّر حماية قانونية للنساء العاملات فيها، من خلال تقليص العنف والاستغلال، تحسين شروط العمل، تمكينهن من اللجوء إلى القضاء والشرطة، توفير متابعة صحية منتظمة…الخ. ويُقدَّم التقنين هنا كحل واقعي وبراغماتي، يُقرّ بوجود الدعارة كـ”حقيقة اجتماعية” لا يمكن القضاء عليها، وبالتالي يسعى إلى تقليل أضرارها بدل محاربتها.
- مكافحة الشبكات الإجرامية والاتجار بالبشر
يرى أنصار التقنين أن إدماج الدعارة في الإطار القانوني يسمح بفصل “الدعارة الطوعية” عن الاتجار بالبشر، ويساعد الدولة على مراقبة النشاط، تفكيك الشبكات الإجرامية و الحد من السوق السوداء. ويفترض هذا الطرح أن التنظيم القانوني سيقلل من تدخل الوسطاء غير الشرعيين، ويضع حدًا للاستغلال القسري.
- الاعتراف بالدعارة كعمل مأجور
يدافع هذا التيار عن الاعتراف بالدعارة كـ”مهنة” تخضع لقوانين الشغل، بما يشمل العقود، التأمين الاجتماعي، الضرائب و حقوق العمل. ويُنظر إلى هذا الاعتراف بوصفه خطوة نحو إزالة الوصم الاجتماعي، ومنح النساء العاملات في الدعارة صفة “عاملات” بدل “ضحايا” أو “منحرفات”.
- خطاب تقاطعي ونسوي ليبرالي
في بعض صِيَغه، يستند الدفاع عن التقنين إلى خطاب نسوي ليبرالي أو تقاطعي، يؤكد على سماع “صوت العاملات في الجنس” و احترام تجاربهن الفردية و رفض تصوير جميع النساء في الدعارة كضحايا. ويرى هذا الخطاب أن معارضة التقنين غالبًا ما تعيد إنتاج نظرة أبوية تعتبر النساء غير قادرات على اتخاذ قراراتهن، حتى وإن كانت هذه القرارات محفوفة بالمخاطر.
إلى جانب المدافعين عن تقنين الدعارة بمنطق حرية التصرف في الجسد او التقليل من اضرار شر لا بد منه في مجتمعاتنا، نجد في بعض السياقات عدد من الدول تتبنى نفسها خطاب التقنين من أجل ضبط السوق و جباية الضرائب و التحكم في الفضاء العام. فالدافع هنا يكون اداريا-اقتصاديا لا تحرريا، حيث تتحول الدعارة إلى قطاع منظم داخل الاقتصاد الرسمي.
حتى عندما لا يكون الدفاع صريحًا، فإن الرأسمالية المعاصرة تُعدّ مستفيدًا بنيويًا من تقنين الدعارة. فالتقنين يفتح مجالات استثمار جديدة و يخلق أسواق خدمات مرافقة و يحوّل الجسد إلى مورد اقتصادي مشروع. فمن هذا المنظور، لا يظهر الرأسمال كمدافع “أخلاقي”، بل كفاعل صامت يستفيد من توسيع منطق التسليع.
هكذا يدافع أنصار تقنين الدعارة عن طرحهم بوصفه طرحًا واقعيًا، حقوقيًا، ومناهضًا للوصم، ويركز على تقليل الأضرار وحماية الحريات الفردية داخل النظام القائم. هل هو فعلا كذلك ام انه يبقى أسيرًا لمنطق السوق والاختيار الفردي، ويتجنب مساءلة الشروط البنيوية التي تجعل من الدعارة خيارًا مطروحًا أصلاً؟
2- الدعارة بين الرأسمالية و البطريريكية
لا يمكن عزل ظاهرة الدعارة عن جذورها البنيوية و تجاهل التداخل العميق بين الرأسمالية و البطريريكية في إنتاج استغلال النساء و تسليع اجسادهن. كما لايجب فهم أن الدعارة خيار فردي معزول، بل هي احدى اكثر التعبيرات تطرفا عن اضطهاد المرأة داخل نظام اقتصادي-اجتماعي يقوم على الاستغلال الطبقي و الهيمنة الذكورية معا.
تعتبر الرأسمالية نظامًا لا يستغل قوة العمل فحسب، بل يعيد إنتاج علاقات الهيمنة الجندرية. فجسد المرأة لا يُستغل فقط كقوة عمل مجانية داخل الأسرة (العمل المنزلي والإنجابي)، بل يتحول أيضًا إلى سلعة مباشرة في السوق.و في هذا السياق، تمثل الدعارة الشكل الأكثر فجاجة لتسليع الجسد الأنثوي، حيث يُفصل الجسد عن إنسانيته، ويُعاد تعريفه وفق منطق العرض والطلب. وكما تشير ألكسندرا كولونتاي، فإن الرأسمالية “لا ترى في المرأة إلا أداة: إما لإعادة إنتاج قوة العمل، أو لإشباع حاجات السوق”.
كما اكدت سيلفيا فيديريتشي على ان الرأسمالية تنتج نساءً “مُتاحات” اقتصاديًا، وتدفع بهن إلى بيع أجسادهن أو عملهن في أكثر الأشكال هشاشة و قالت بوضوح: “بالنسبة للمرأة في ظل الرأسمالية، لم يكن هناك فرق بين بيع جسدها في الزواج (كعمل منزلي و جنسي غير مأجور) و بين بيعه في الشارع، ففي كلتا الحالتين، تم تجريدها من وسائل الإنتاج لتصبح متاحة لخدمة رأس المال” .
وعليه، فإن تقديم الدعارة كخيار حر يُخفي علاقات القوة غير المتكافئة بين الرجال والنساء، وبين الرأسمال والأجساد المؤنثة. الاختيار هنا، و الذي يعتبر أحد الركائز الأساسية للدفاع الليبرالي عن الدعارة، لا يمكن فصله عن الشروط المادية التي يتم داخلها. فالفقر، والبطالة، والعنصرية، والهشاشة الاجتماعية ليست ظروفًا محايدة، بل أدوات قسر بنيوي.
3- تحرير النساء لا يمر عبر تقنين الدعارة: الجسد ليس مهنة !
لا يمكن النظر إلى تقنين الدعارة كحل تقدمي، بل كآلية لإعادة تنظيم الاستغلال بدل القضاء عليه. فالتقنين لا يلغي العلاقة غير المتكافئة بين “الزبون” (غالبا رجل يتمتع بامتياز طبقي او جندري او هما معا ) و المرأة التي تبيع جسدها تحت ضغط الحاجة. و من هذا المنطلق، لا يجب تجريم النساء و لا تمجيد الدعارة بوصفها “تحررا جنسيا”، بل يجب تفكيك الشروط التي تجعلها ممكنة ومربحة. فالتحرر الحقيقي للمرأة لا يتحقق عبر توسيع سوق استغلالها، بل عبر إلغاء الحاجة إلى بيع الجسد من أجل البقاء. وكما تحذّر روزا لوكسمبورغ، فإن الإصلاحات التي لا تمسّ جوهر علاقات الإنتاج لا تحرر المضطهدين، بل تُدجّن غضبهم داخل النظام القائم.
الحل؟
- توفير بدائل اقتصادية حقيقية للمجبرات على هذا الفعل لضمان استقلاليتهن.
- تجريم المستفيدين (القوادين و أصحاب الصناعة)
- تفكيك البطريركية داخل الأسرة وسوق العمل
- النضال من اجل مجتمع لا تضطر فيه المرأة لبيع جسدها لتعيش, مجتمع يقطع مع منطق تحويل كل شيئ الى سلعة.
4- خلاصة
لا يمكن اعتبار الدعارة إذن، “مهنة كغيرها”، لأن هذا الادعاء يتجاهل البنية التي تنتجها: بنية رأسمالية أبوية تعيش على تسليع الجسد الأنثوي. إن تقنين الدعارة لا يحرر النساء، بل يضفي الشرعية على استغلالهن. أما التحرر الحقيقي، فلا يمر عبر السوق، بل عبر تفكيك النظام الذي جعل من أجساد النساء موردًا اقتصاديًا. كما شدد لينين، فإن تحرر المرأة ليس مسألة أخلاقية أو قانونية فحسب، بل مسألة ثورية مرتبطة بإسقاط علاقات الاستغلال ذاتها. إن الهدف النهائي للفكر الاشتراكي ليس هو تحسين شروط العبودية، بل إلغاء العبودية نفسها بكافة أشكالها، سواء كانت عبودية الأجر في المصنع أو عبودية الجسد في سوق الجنس.
بقلم: تيليلا