الموقع تجريبي

النساء والشغل في المغرب، إقصاء، ثم تمييز واضطهاد

تشكل أوضاع النساء في المغرب انعكاس لتناقضات النظام الاجتماعي-الاقتصادي الرأسمالي الذي يقوم على الاستغلال، ويضاعف اضطهاد النساء بما هن جزء من الطبقة العاملة المنتجة للثروة.

لا تقتصر المقاربة الماركسية الثورية على تحليل أوجه الميز بين الرجال والنساء فحسب، بل تربط هذه اللامساواة مباشرة بـعلاقات الإنتاج والاستغلال الرأسمالي التي تعيد إنتاج الهيمنة الطبقية والجندرية في آن واحد.

 

  • مشاركات اقتصادية متدنية وهشاشة سوق العمل:

يتبادر للذهن سؤال بسيط حول مكانة النساء الاقتصادية في المجتمع. لماذا لا زالت النساء غير متساويات مع الرجال في الولوج إلى الشغل والوظائف، وبالتالي الحصول على دخل قد يحسن مكانتهن الاقتصادية داخل الأسرة، ثم يرفع وضعهن الاعتباري في المجتمع ككل؟

الجواب متضمن في الاحصائيات المعروضة أسفله حول الميز ضد النساء في الشغل والأجور. فهي برهان على أن ما يفسر كل أوجه الميز اتجاه النساء، في هذا المجال، هو وجود نظام سيطرة اجتماعي يفرض على النساء تولي مهام الرعاية الاجتماعية داخل البيت. فبالرغم مما شهده المجتمع المغربي من تحولات اقتصادية واجتماعية سريعة في العقود الأخير، لازال نظام السيطرة هذا هو المتحكم في كل أوجه اللامساواة.

فنسبة مشاركة النساء في القوة العاملة في الوقت الراهن لا تتجاوز حوالي 19.5% ، مقابل نحو 68.4% لدى الرجال، وهي من بين أدنى نسب المشاركة الاقتصادية للنساء في المنطقة.

وبالمقابل، فإن نحو ثلاثة أرباع النساء في سن العمل (حوالي 73%) خارج سوق الشغل، وهو ما يعكس استمرار الإقصاء البنيوي للنساء من النشاط الاقتصادي المنتج ومن فرص الدخل المستقل.

أما على مستوى التشغيل الفعلي، فإن النساء لا يمثلن سوى حوالي 22% من مجموع القوة العاملة، ما يبرز اختلالاً بنيوياً في توزيع العمل بين الجنسين. وفي الوسط الحضري، تشير المعطيات إلى أن 32.2%  فقط من العاملين هم نساء مقابل 67.8% من الرجال، أي بفارق يقارب 2.1  رجل مقابل كل امرأة عاملة.

ارتفعت نسبة الأسر التي تترأسها نساء من 16.2% سنة 2014 إلى حوالي 19.2% سنة 2024، وتصل هذه النسبة إلى 21.6%  في الوسط الحضري، ما يعكس اتساع مسؤوليات الإعالة الاقتصادية الملقاة على النساء رغم ضعف اندماجهن في سوق العمل.

رغم تراجع نسبة النساء العاملات بدون أجر (كمساعدات عائليات) من 49.2%  سنة 2014 إلى حوالي 26.4% سنة 2024، فإن الظاهرة لا تزال مرتفعة بشكل لافت، خاصة في الوسط القروي حيث تصل إلى حوالي 70% من النساء النشيطات اللواتي يعملن أساساً في الفلاحة العائلية أو داخل الاقتصاد المنزلي دون أجر مباشر. كما أن هذه النسبة تفوق أربع مرات تقريباً نظيرتها لدى الرجال (حوالي 5.8%))، وهو ما يعكس استمرار هشاشة العمل النسائي وعدم استقراره.  كما أن البطالة تضرب النساء بشكل أكبر، إذ بلغت نحو 19.4% لدى النساء مقابل حوالي 11.6% لدى الرجال سنة 2024، ما يعكس تفاوتاً واضحاً في فرص الولوج إلى الشغل.

هذه المعطيات حول أوجه الميز اتجاه النساء في الشغل والدخل هي انعكاس لبنية اقتصادية واجتماعية تسيطر على النساء وتضطهدهن، بحيث تتقاطع الهيمنة الاقتصادية مع تقسيم اجتماعي للعمل يضاعف هشاشة تشغيل النساء داخل الطبقة العاملة.

 

  • أبعاد الهشاشة الاجتماعية

تتعزز هشاشة موقع النساء في الاقتصاد بفعل مجموعة من العوامل المترابطة. فمن جهة، ينتشر العمل غير المهيكل بشكل واسع بين النساء، حيث تشتغل نسبة مهمة منهن في أنشطة تفتقر إلى الحماية الاجتماعية والاستقرار المهني، مثل العمل المنزلي والخدمات البسيطة والتجارة الصغيرة وبعض الأنشطة الفلاحية، وهي قطاعات تتسم غالبًا بضعف الأجور وغياب التغطية الصحية والتقاعد. يميل أرباب العمل بالقطاع الخاص إلى الاستغلال المفرط لعمل النساء الأجيرات، كما يبدو من خلال تركزهن في قطاعات الصناعة الغذائية(تصبير الأسماك، تعليب الخضر والفواكه) والنسيج، والخدمات، والضيعات الزراعية. في هذه القطاعات لا تنحصر أوجه الميز ضد النساء العاملات في فرض متوسط أجور أدنى من تلك التي يحصل عليها الرجال العاملون في القطاعات الاقتصادية الأخرى، بل يذهب معظم أرباب العمل إلى فرض شروط عمل أقسى بكثير مما هو سائد في المقاولات التي يتركز بها العمال الذكور. وهنا تمتد أوجه الميز، من وقت العمل، وظروف الصحة والسلامة، إلى العنف ضد النساء في أماكن العمل، لا سيما التحرش الجنسي، والمعاملة المهينة لكرامتهن.

و تستمر الفجوة في الأجور بين النساء والرجال، إذ تشير المعطيات إلى أن النساء يتقاضين في المتوسط أجورا أقل مقابل أعمال مماثلة، نتيجة تمركزهن في قطاعات منخفضة الأجر واستمرار أشكال مختلفة من التمييز في الترقي والمسؤوليات المهنية.

يرتبط ضعف اندماج النساء في سوق الشغل بثقل العمل المنزلي غير المؤدى عنه الذي تتحمله النساء داخل الأسرة، من رعاية الأطفال والمسنين إلى الطبخ وتنظيف المنزل وتدبير الشؤون اليومية. ورغم أن هذا العمل يشكل ركيزة أساسية لإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية وقوة العمل داخل الاقتصاد، فإنه يظل غير معترف به اقتصاديا ولا يُحتسب ضمن النشاط المنتج. ويتداخل ذلك مع عوامل اجتماعية وثقافية تؤثر في موقع النساء الاقتصادي. إذ تبين المعطيات أن النساء المتزوجات تقل فرص مشاركتهن في العمل بشكل ملحوظ مقارنة بالرجال المتزوجين، نتيجة تحميلهن النصيب الأكبر من مسؤوليات الأسرة، وهو ما يعمق التبعية الاقتصادية للنساء ويحد من استقلاليتهن الاقتصادية.

 

  • ضعف السياسات والحماية الاجتماعية

رغم بعض الخطط الرسمية المعلنة لتمكين النساء (مثل برامج تمكين وتدريب)، تستمر الغالبية العظمى من النساء في العمل أو البقاء خارج سوق العمل، ويعانين من غياب تغطية اجتماعية حقيقية، وأجور أدنى وفُرص أقل للترقّي.

هذا يعني أن النظام لا يوفر “شبكة أمان” للطبقات الهشة، بل يمتص الجهد النسائي ويعيد توزيعه لصالح أرباب العمل والرأسمال. كما تواجه النساء عوائق اجتماعية ومؤسساتية إضافية تحدّ من قدرتهن على الولوج إلى سوق الشغل والاستمرار فيه. فغياب خدمات الرعاية الأساسية، وعلى رأسها نقص دور الحضانة وفضاءات رعاية الأطفال بأسعار ميسورة، يضع عبئا إضافيا على النساء ويدفع العديد منهن إلى الانسحاب من العمل أو القبول بوظائف غير مستقرة وقريبة من المنزل. ويزداد هذا الوضع تعقيدا بسبب مخاوف عدم الأمان المرتبطة بظروف النقل والتنقل اليومي، خاصة في الفترات المبكرة من الصباح أو المتأخرة من المساء، حيث تشكل مسألة السلامة في وسائل النقل أو في الفضاءات العمومية عاملا حاسما يحد من حرية تنقل النساء ويؤثر على فرصهن في العمل. كما تتفاقم هذه الصعوبات مع بعد أماكن العمل عن مقرات السكن، وضعف البنيات التحتية للنقل في العديد من المناطق، وهو ما يجعل الولوج الفعلي للنساء إلى فرص الشغل أكثر تعقيدا مقارنة بالرجال.

ينص الدستور المغربي نظريًا على المساواة بين الجنسين، لكن التطبيق العملي يظل ضعيفًا ومضيّعًا للحقوق الاقتصادية. إن كل ما انتزعته الحركة النسوية في مجال القضاء على كل مجالات الميز القانوني اتجاه النساء، يعد مكسبا ذي أهمية، لكنه يظل قاصرا عن القضاء على اضطهاد النساء، ولا يمكن للحركة النسائية أن تتقدم نحو هذا الهدف بدون تعبئة جماهير النساء للنضال ضد نظام السيطرة الذكورية في مختلف تجلياته.

 

  • خاتمة

لا يمكن فصل اضطهاد النساء عن سياق علاقات الإنتاج الرأسمالية التي تُبقى على النساء في أدوار اقتصادية محدودة، وتُحوّلهن إلى قوة عاملة هشة تُستخدَم بأقل كلفة ممكنة. كما أكدت سيلفيا فيديريتشي : “العمل المنزلي غير المدفوع هو عمود صامت للرأسمالية، يقوم عليه استمراريتها.”

هذا التحليل لا يتوقف عند مجرد وصف التفاوتات بين الجنسين، بل يربط بين هذه التفاوتات وبين هيمنة رأس المال على القوة العاملة وبُنى الدولة التي تحمي مصالح الطبقة الحاكمة.

وبالتالي فأوضاع اضطهاد نساء المغرب بسبب تراجع المشاركة الاقتصادية، وجراء تعرضهن لتمييز في سوق العمل، وتضررهن من ضعف السياسات الاجتماعية ليست بسبب مشكلات فردية أو نتيجة “عادات ثقافية” فحسب، إنها نتاج تراكمات بنيوية داخل نظام رأسمالي وأبوية مجتمع، يعيد إنتاج الاستغلال والهيمنة معًا. ولا شك أن أوضاع النساء قد تزداد تدهورا وتشتد وطأة اضطهادهن، كلما تعرضت الحقوق الديمقراطية السياسية والاقتصادية داخل بلد من البلدان لهجوم مضاد تقوده قوى يمينية تعادي حقوق النساء.

إن التحرر الفعلي للنساء لا يمكن أن يأتي عبر مجرد إصلاحات قانونية جزئية، بل يتطلب إعادة بناء ميزان القوى الطبقية، ونضالًا جماعيًا منظمًا يربط بين النضال ضد الاستغلال الطبقي والنضال ضد القمع الجندري “تحرر الطبقة العاملة يجب أن يكون من صنع الطبقة العاملة نفسها”. وبهذا المعنى، فإن تحرير النساء داخل المجتمع المغربي هو جزء لا يتجزأ من تحرير الطبقة العاملة ككل.

 

بقلم: تيليلا

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟