نزل الشباب إلى الشوارع يومي 27 و28 شتنبر 2025 للاحتجاج على سياسة الدولة بقطاعي الصحة والتعليم، وضد حمايتها لناهبي المال العام، وعدم متابعة مختلسيه من طرف القضاء.
كانت الشابات من جيل زد من الأوائل في المعركة من أجل الديمقراطية وتحقيق الخدمات الاجتماعية الأساسية لأغلبية الشعب، حاضرات في تفاصيلها: النقاش عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمشاركة في صياغة أدبياتها، وتجسيد الأشكال النضالية الميدانية المتفق عليها بكل شجاعة، والثبات في المواجهة المباشرة مع أجهزة القمع، ورفع الشعارات بمختلف الوسائل، سواء بمكبرات الصوت أو بالكتابة والرسوم التعبيرية على الورق المقوى.
يرتبط هذا النزول بما سبقه من معارك خيضت ضد السياسات المتبعة للإجهاز على المكاسب الطفيفة التي انتُزعت لفائدة الأغلبية الساحقة منذ الاستقلال الشكلي، وشاركت فيها النساء بكل ثقة في النفس وبصمود قوي؛ وهو الأمر الذي انتبه له كل من: الأقلية الرأسمالية المسيطرة على الاقتصاد، ونظام الاستغلال والاستبداد الذي بيده كل السلطات، والدولة القمعية الساهرة على مصالحهم. ولذلك وظّفوا كل الوسائل السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية من أجل التحكم في حراكهن ونشاطهن، وتوجيههن حسب سياساتهم.
هل ستظل البرجوازية ممسكة بزمام معارك النساء؟
لا ريب أن ما سيحصل مستقبلاً سيكون مفيداً جداً للأجيال القادمة، نظراً للتحولات العميقة بالمجتمع المغربي. ففي السابق، قبل تغلغل نمط الإنتاج الرأسمالي في البلد، كانت الأوضاع لا تسمح للنساء باقتحام جل مجالاته، وبما أن المجتمع كانت تسيطر على إدارته منظومة سياسية تبعية تحكم بأساليب عتيقة مؤسسة على تقاليد وعادات مناهضة لتحرر النساء، فقد كُبِّل طموحهن صوب المساواة.
ظلت الإيديولوجيات الليبرالية واليمينية والرجعية توظف قضيتهن في معاركها السياسية من أجل المنافسة على تقديم خدمة أفضل للنظام السياسي دون غيرها، وساهم في ذلك ما يُوصف بأن بلدنا له “خصوصيات” و“استثناءات”، ولذلك يحتكمون إلى القصر للفصل في صراعهم على خدمته، بينما الحياة الحقيقية في لُبّ المجتمع تتطور تدريجياً حسب التحولات التي يشهدها العالم بسرعة فائقة، والأجيال تتوالى، والأزمات تتعقد؛ والمغربيات يشكلن قسماً من نساء العالم، فهن يقتحمن جل المؤسسات والقطاعات الإنتاجية، والإدارات المدنية والعسكرية، ويتفوقن في مجالات الدراسة والبحث الأكاديمي بالمغرب.
تشكل النساء نسبة عالية من سكان بلدنا، مما يجعل مستقبله سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً صعباً على الإيديولوجيات المتناقضة مع مسار التاريخ المتجه إلى الأمام، في صراع قوي مع هذه التحولات الكبرى في بنيات المجتمع. ولن تفلح في كبح تطلعات الأجيال القادمة من النساء باتجاه ممر التحرر والمساواة.
شهد العقد الفارط من القرن الواحد والعشرين عدة احتجاجات في جل القطاعات تقريباً، وكانت النساء الشابات المغربيات في صلبها، وأحياناً في مقدمتها، مثل طلبة الطب، والأساتذة، والحراك التلاميذي بالثانويات، والطلابي بالجامعات والكليات، وحركة المعطلين/ات حاملي الشهادات بالميادين، وهو مسار ساهم في الوصول إلى احتجاجات جيل زد. وكما هو معلوم، فإن التراكم الكمي يؤدي إلى التحول الكيفي، مما يبشر بالأمل مستقبلاً في زعزعة أساليب البرجوازية في سياسات توجيه النساء صوب مصالح الرأسماليين.
النساء العاملات هن مستقبل تحرر المغربيات
تُعد قضية البروليتاريا المغربية من أهم القضايا التي دار ويدور حولها النقاش، وطرحت بصددها الأسئلة الجوهرية: ما هي طرق بناء حزبها؟ مع من يتحقق ذلك؟ وكيف؟ ولهذا تشكل مسألة النساء العاملات في كل قطاعات الإنتاج قضية مركزية في الموضوع، ومهام وحدة الطبقة العاملة وبناء حزبها الاشتراكي الثوري العمالي بالمغرب.
فالنضال من أجل جمعية وطنية تأسيسية منتخبة لصياغة دستور ديمقراطي يضمن السيادة الشعبية على البلد، والمساواة بين الجنسين، سينجح مع كفاح النساء العاملات. في هذا الاتجاه، الذي يُصنَّف وحده مسلكاً صوب تحقيق الديمقراطية الفعلية، يستوجب العمل بجد للمساهمة قدر المستطاع في بناء منظمات النضال العمالي، وخلق الهيئات الشعبية في كل مكان على أسس تحترم جميع الآراء والأفكار.
تمثل الدولة أقلية رأسمالية متحكمة في الأوضاع حالياً، وبذلك فهي مستمرة في تنفيذ المخططات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية التي تمليها عليها المؤسسات المالية الدولية: صندوق النقد الدولي، والبنك العالمي، وكل من يدور في فلكهما. فقد أغرقت بلدنا في الديون غير الشرعية، ويُعد المغرب من بين الدول المتميزة في هذه السياسات، ولذلك يحصل دائماً على التهاني من طرف الإمبريالية، مما يشجعها على سحق الكادحين/ات.
دمّرت نتائج تنفيذ برامج النيوليبرالية قدرة أغلبية الشعب المغربي على ضمان معيشة متواضعة، وطُبِّقت كل مخططاتها بالقوة، وبذلك تضاعف قهر النساء بصورة كبيرة، نظراً لوضعهن في المجتمع، وأصبح لا يُطاق. فقد تواطأ عليهن كل من: الرأسمالية، والبطريركية، ونظام الاستغلال والاستبداد، والإيديولوجية اليمينية الرجعية، وحركات الإسلام السياسي، سواء المتزمتة أو من تدّعي الانفتاح.
لن تدوم هذه الحالة، وستتزعزع إذا تحركت الطبقة العاملة بنوعيها، ذكوراً وإناثاً، في صف واحد ضد الظلم الاجتماعي. حينئذ ستتغير موازين القوى، ولن يحصل هذا في ظل شتات الماركسيين الثوريين، ووضعية النقابات التي أصبحت مشلولة وخاضعة لسياسة الأقلية الرأسمالية ودولتها القمعية، من خلال تطبيق “السلم الاجتماعي” الذي يساعدها على تحقيق مزيد من الأرباح على حساب الطبقة العاملة، بينما الأغلبية تزداد تدهوراً، وبالكاد تحصل على ضروريات الحياة.
نظمت الدولة حملة اعتقالات واسعة جداً ضد شباب جيل زد، شملت الذكور والإناث، بغرض معرفة مستوى وعي الشباب سياسياً بالدرجة الأولى، وزرع بذرة الخوف لديهم/ن لكيلا يتشجعوا على النضال مستقبلاً، وشل تظاهراتهم/ن وعزلها عن باقي مناطق بلدنا المكتظة بأبناء وبنات الطبقات المسحوقة. شكّل شباب المدن التي تمركزت فيها الرأسمالية عصب نضال جيل زد، ولكي يفهم هذا الجيل أسباب أزمة التعليم والصحة، واكتساح النهب جل القطاعات دون محاسبة، وفهم منطق الصراع الطبقي بالمغرب، يستوجب الأمر ميلاً نحو أدب اليسار الجذري الذي حلل بما يكفي جوهر الأزمات المركبة للرأسمالية، والاستغلال الفظيع للنساء واضطهادهن.
بقلم: عاقل حليم