تشهد جهة سوس ومناطق آيت بعمران خلال السنوات الأخيرة توترات متصاعدة بين الساكنة المحلية وبعض مجموعات الرعاة الرحل بسبب توسع الرعي الجائر لقطعان الإبل داخل الأراضي الزراعية والمراعي المحلية. وقد أدى هذا الوضع إلى تدمير مساحات من المحاصيل الزراعية وإتلاف الغطاء النباتي، مما يهدد مصادر عيش الفلاحين الصغار ويزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي.
وغالبًا ما يُقدَّم هذا النزاع في الخطاب الرسمي والإعلامي باعتباره مجرد صراع محلي بين “الفلاحين” و”الرحل”، أو باعتباره نتيجة لاختلاف أنماط العيش بين الزراعة المستقرة والرعي المتنقل. غير أن مثل هذا التفسير يخفي الجذور الحقيقية للمشكلة، لأن ما يحدث في الواقع يعكس أزمة أعمق مرتبطة بالبنية الاقتصادية للعالم القروي وبالسياسات الزراعية التي أعادت تشكيل علاقات الأرض والموارد في المغرب.
توسع قطعان الإبل وتحول الرعي إلى نشاط اقتصادي مكثف
تاريخيًا، كان الرعي جزءًا من منظومة اقتصادية واجتماعية متوازنة نسبيًا بين الزراعة والرعي في المناطق القروية. وكانت حركة الرعاة تخضع لأعراف وتنظيمات تقليدية تضبط استعمال المراعي وتمنع الإضرار بالمحاصيل الزراعية.
غير أن العقود الأخيرة شهدت تحولًا مهمًا في طبيعة هذا النشاط، خصوصًا مع توجه مستثمرين كبار لتربية الإبل في بعض المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية. فالإبل، بحكم قدرتها الكبيرة على التنقل لمسافات طويلة والتغذي على أنواع متعددة من النباتات، أصبحت تُستعمل في قطعان كبيرة تبحث باستمرار عن مراعي جديدة.
وفي كثير من الحالات، لم يعد الأمر يتعلق برعاة صغار يعتمدون على الرعي التقليدي فقط، بل بقطعان ضخمة مرتبطة بالسوق وتملكها فئات قادرة على الاستثمار في تربية الماشية، بينما يتكفل رعاة مأجورون بمرافقتها عبر مساحات واسعة من البلاد.
وبهذا الشكل يتحول المجال الرعوي إلى فضاء للاستغلال المكثف، حيث تُضغط الموارد الطبيعية إلى أقصى حد لتحقيق الربح، دون مراعاة التوازنات البيئية أو حقوق الساكنة المحلية.
الإبل وتدمير الاقتصاد الفلاحي الصغير
يكتسي الرعي بالإبل طابعًا خاصًا مقارنة بأنواع أخرى من الماشية، لأن هذه الحيوانات قادرة على الوصول إلى المحاصيل الزراعية وتدميرها بشكل سريع، كما أنها تستهلك كميات كبيرة من الغطاء النباتي وتُحدث ضغطًا قويًا على المراعي الهشة.
في مناطق آيت بعمران، التي يعتمد جزء مهم من سكانها على الفلاحة الصغيرة وتربية الماشية المحدودة، يؤدي دخول قطعان الإبل إلى الأراضي الزراعية إلى خسائر مباشرة للفلاحين، سواء عبر إتلاف المحاصيل أو عبر استنزاف الموارد النباتية التي تعتمد عليها تربية المواشي المحلية.
كما أن من بين أخطر الآثار التي يسببها هذا النوع من الرعي الأضرار الكبيرة التي تلحق بأشجار الأركان المنتشرة في أجزاء واسعة من المنطقة. الإبل لا تقتصر على الرعي في الأعشاب، بل تمتد إلى التهام أوراق الأشجار وأغصانها، وهو ما يضعف أشجار الأركان ويهدد قدرتها على التجدد.
وتكتسي هذه الشجرة أهمية خاصة بالنسبة لسكان المنطقة، إذ تشكل موردًا اقتصاديًا وبيئيًا أساسيًا، سواء من خلال إنتاج زيت الأركان أو من خلال دورها في حماية التربة والحفاظ على التوازن البيئي. لذلك فإن تضرر منظومة الأركان بفعل الرعي الجائر لا يعني فقط خسارة بيئية، بل يهدد أيضًا أحد مصادر العيش الأساسية للفلاحين الصغار.
سياسات الدولة وتحويل التناقضات الاجتماعية
بدل معالجة الأسباب البنيوية لهذا الوضع، تميل الدولة إلى التعامل مع هذه التوترات باعتبارها مجرد نزاعات محلية أو مشاكل أمنية. وغالبًا ما تُترك الساكنة المحلية في مواجهة مباشرة مع الرعاة دون وجود آليات فعالة لتنظيم استعمال المراعي.
و بالتالي فإن هذا الوضع يعكس طريقة اشتغال الدولة في المجتمعات الرأسمالية التابعة: فبدل معالجة التفاوتات في امتلاك الموارد، يتم تحويل التناقض الحقيقي إلى صراع بين فئات اجتماعية فقيرة.
فالفلاح الصغير الذي يدافع عن أرضه ومصدر عيشه يجد نفسه في مواجهة الراعي الذي يبحث بدوره عن الكلأ لقطعانه، بينما يبقى الفاعلون الكبار الذين يستفيدون من استغلال المجال الرعوي بعيدين عن دائرة الصراع.
مسألة الأرض والمراعي الجماعية
تتداخل في هذا النزاع أيضًا مسألة الأراضي الجماعية والملك الغابوي، وهي مساحات واسعة من الأرض تخضع لأنظمة قانونية وإدارية معقدة تحد من قدرة الساكنة المحلية على تدبيرها بشكل مستقل.
وفي كثير من الحالات، يؤدي ضعف التنظيم الديمقراطي لهذه الأراضي إلى فتح المجال أمام الاستغلال المفرط للمراعي من طرف قطعان كبيرة، دون وجود ضوابط فعالة تحمي التوازنات البيئية أو حقوق السكان.
نحو موقف نضالي يخدم الفلاحين الصغار
إن معالجة مشكلة الرعي الجائر لقطعان الإبل في مناطق آيت بعمران لا يمكن أن تتم عبر المقاربات الأمنية أو عبر شيطنة الرعاة الرحل بشكل عام. فمثل هذه المقاربات لن تؤدي إلا إلى تعميق الانقسامات داخل العالم القروي.
الحل الحقيقي يمر عبر الدفاع عن حقوق الفلاحين الصغار في أراضيهم ومواردهم، وفي الوقت نفسه ضمان تنظيم عادل ومستدام للرعي، و من الضروري توسيع دائرة التضامن مع نضالات هذه الفئات المتضررة، والمساهمة في توضيح مطالبها وتعزيز وعيها بطبيعة القوى المستفيدة من استمرار هذا الوضع، مع الحرص على تفادي الانجرار إلى صدامات مع فئات اجتماعية أخرى تعاني بدورها من نتائج نفس السياسات.
ومن بين المطالب التي يمكن طرحها في هذا الإطار:
- رفض كل أشكال تفويت الأراضي الجماعية وتحويلها إلى ملكية خاصة لفائدة الرأسماليين تحت شعارات الاستثمار والتنمية. فهذه العملية ليست سوى تحويل للملكية المشتركة إلى مصدر تراكم خاص. وفي المقابل، يجب الدفاع عن تمكين صغار الفلاحين من هذه الأراضي عبر صيغ تعاونية مدعومة بالتمويل العمومي و التأطير التقني، بما يضمن استغلالها لصالح ذوي الحقوق.
- التصدي لسياسة نزع أراضي القرويين تحت مبرر الملك الغابوي، خاصة عندما تتحول هذه الأراضي لاحقا إلى مجال للاستغلال الرأسمالي الخاص، في تناقض صارخ مع حقوق الساكنة المحلية التاريخية.
- التعجيل بإصدار النصوص التطبيقية الضرورية بعد إشراك المعنيين بقطاع الرعي، خاصة سكان مناطق الاستقبال، مع فرض احترام مدونة الشغل في ما يخص العمال المشتغلين في الرعي، وضمان حقوقهم الاجتماعية والمهنية وسلامتهم الصحية وفق ما يقره القانون 13-113.
- الدفاع عن الأراضي الزراعية وعن منظومة الأركان باعتبارها ثروة بيئية واجتماعية لا يمكن التفريط فيها، وذلك عبر منع اجتياحها من طرف قطعان الإبل التي تتسبب في إتلاف المزروعات وتدمير شجر الأركان والإضرار بتوازن المنظومة البيئية المحلية.
- وضع حد لتركّز قطعان الإبل بأعداد هائلة في يد فئات محدودة تستغل المجال الرعوي كمصدر للربح والتراكم، على حساب الساكنة المحلية وتوازن الموارد الطبيعية، وما يرافق ذلك من ضغط متزايد على الأرض والغطاء النباتي.
- إرساء تدبير ديمقراطي وعادل للمراعي و الأراضي الجماعية يقوم على إشراك فعلي للسكان المحليين في اتخاذ القرار حول كيفية استغلال هذه الموارد، بما يضمن حماية المجال الطبيعي وصون حقوق الساكنة التي تعيش عليه و تعتاش منه.
خاتمة
إن الصراعات حول الرعي بالإبل في مناطق آيت بعمران ليست مجرد نزاعات محلية معزولة، بل هي تعبير عن أزمة أعمق يعيشها الريف المغربي في ظل سياسات اقتصادية عمقت التفاوتات الاجتماعية وأضعفت قدرة الفلاحين الصغار على الصمود.
الحل إذن لا يكمن في تحويل الفلاحين والرعاة إلى خصوم، بل في توجيه النضال نحو تغيير السياسات التي حولت الأرض والمراعي إلى مجال للاستغلال غير المنظم، وتركت العالم القروي يواجه أزماته دون دعم حقيقي.
إن الدفاع عن الأرض والموارد الطبيعية في آيت بعمران، بما فيها أشجار الأركان التي تشكل ثروة بيئية واقتصادية للمنطقة، هو جزء من معركة أوسع من أجل العدالة الاجتماعية في البادية المغربية، ومن أجل سيادة غذائية تمكن الفلاحين الصغار والطبقات الشعبية من التحكم في شروط عيشهم ومستقبلهم.
بقلم: تيليلا