جاء تأجيل مؤتمر النقابة المستقلة للممرضين، الذي كان من المقرر عقده يوم 02 ماي 2026 وسط حيثيات كثيرة أحاطت بإعداده وأثارت نقاشا في وسط الشغيلة الصحية، ليثبت مرة أخرى أن أمراض الحركة النقابية المغربية مشتركة بين مكوناتها المختلفة، و أن تجاوزها لن يتم من خلال تجاهلها، بل من خلال فتح أوسع نقاش ديمقراطي وشفاف ومعمق حولها.
هذا هو سبب مشاركتي في هذا النقاش، لا لنعطي دروس بل لأساهم، على قدم المساواة مع كل مناضلي الحركة النقابية والعمالية الذين يثقون في قدرة الشغيلة بمختلف مكوناتها على النهوض بمهامها الآنية والمستقبلية، في بلورة سبل تطوير النضال النقابي.
يروج البعض أن مواجهة التبقرط والتكلس الذي تعرفه الأجهزة النقابية الوطنية والمركزية والقطاعية والجهوية والإقليمية، لا مخرج منه إلا بانسلاخ كل فئة وتأسيس تنظيمها الخاص بدعوى أن هناك خصوصية للمطالب أو العمل أو المناطق. وإذا كان هناك شبه إجماع على أزمة الحركة النقابية، فإن سبل مواجهتها لا إجماع عليه. تقسيم الحركة النقابية على أسس مطلبية لا مسوغ له على الاطلاق، لأن النقابة والعمال والعاملات بشكل عام، وهم-هن يطالبون بشكل جماعي عفوي أو منظم على نطاق محدود أو واسع، إنما يناضلون لانتزاع نسبة أكبر مما ينتجونه من فائض قيمة. أي برفع الأجور المباشرة وغير المباشرة.
هذا لا يعني أن الطبقة العاملة ، لا يمكن أن تنقسم سياسيا تحت تأثير إيديولوجية الطبقة البورجوازية السائدة، لكن في هذه الحالة سيكون جزء منها خاضع لأحزاب البورجوازية أو لأحزاب لا ترى مانعا في استمرار نظام عبودية العمل المأجور في ظل الرأسمالية. نحن بعيدون الآن عن هذا المستوى من النقاش و إن كان نقاشا حيويا ولا مفر من فتحه.
جاءت النقابة، كمنظمة دائمة للشغيلة على مستوى البلد بعد سيرورة طويلة من التوحيد لنضالات على نطاق قطاعي و جغرافي، تجميع عمال قطاع واحد لنيل مكاسب على مستوى القطاع ككل وتوحيد على نطاق جغرافي قد يشمل إقليم أو بضعة أقاليم. هذا الانتقال من نضال فئوي مشتت إلى نضال وطني موحد، كان نتاج وحدة الطبقة البورجوازية ووحدة قوانين السوق الرأسمالية التي تفرض نفسها على مجموع الشغيلة، وكذا وجود سلطة الدولة التي تدافع في نهاية المطاف عن مصالح الطبقة البورجوازية. تسعى دولة البورجوازية لدفع وعي الشغيلة إلى الوراء، من خلال تقييد حريتهم النقابية وتكبيل حقهم في الإضراب ودفعهم للتصرف كفئات مهنية لا رابط بينها. إنها سياسة فرق تسد الشهيرة.
أي تبرير للتقسيم النقابي على أساس فئوي اقتصادي، يصب في مصلحة أرباب العمل. ويضعف القوة النضالية لطبقة الأجراء. في التحليل الأخير كل مطالب الشغيلة أينما وجدت ومهما كان العمل المأجور الذي تقوم به، فهي تحتاج لتلبيتها لموارد مالية، وبالتالي تحتاج لإعادة توزيع لفائض القيمة لصالح الأجراء على حساب أرباب العمل. لكي ينعم الأجراء والأجيرات بأساسيات العيش، من سكن وغذاء وتعليم وتطبيب… يجب حرمان البورجوازيين من كماليات عيشهم الباذخ، حرمانهم من الموارد التي تمكنهم من تملك القصور والفيلات والطائرات واليخوت الخاصة الفاخرة والمجوهرات و كل أنواع السلع الفاخرة.
أمراض المجتمع الطبقي الرأسمالي لاحصر لها، إنه مجتمع يسوغ الاستغلال و القهر و كل أشكال الاضطهاد التي تمارسها البورجوازية. فالبيروقراطية والتعسف و الرشوة والمحسوبية والجريمة بأنواعها و الميز العنصري والجنسي والديني، تدمجها الرأسمالية وتعيد إنتاجها كأحد أدوات سيطرتها على المجتمع. هذا ما يلوث الوعي العمالي و الشعبي و بالتالي منظمات النضال النقابي والسياسي للعمال. كل أشكال الخلل في أدوات النضال العمالي في نهاية المطاف هي ناتجة عن المجتمع الطبقي الذي نعيش فيه. النضال ضد المجتمع الطبقي لأجل تغييره، يستلزم بناء منظمات نضال خالية من تأثيراته السلبية إلى أبعد حد ممكن.
في منظمات النضال، يجب أن يكون كل الأعضاء النشطين على قدم المساواة فيما يخص إدارة شؤون المنظمة، عضو واحد صوت واحد، لا أحد أحسن من غيره. يجب أن تصوغ منظمات النضال مطالبها وتحدد أشكال نضالها وكل ما يتعلق بسيرها بمشاركة نشطة لكل أعضائها. أجهزة النقابة القيادية على كافة المستويات يجب أن تعكس في تركيبتها تنوع مكونات الشغيلة من رجال ونساء و تنوع في المهن و تنوع في السن وفي الانتشار الجغرافي. لا يجب القبول بتشكل حفنة من الأشخاص تتربع على قمة هرم جهاز النقابة، وتقرر وحدها ما تراه مناسبا وتخلد في مناصبها، و قد يبلغ قادتها من الكبر حد العجز البدني، الذي ينقلونه للنقابة. لا غنى عن مشاركة واسعة للشغيلة في التسيير والتقرير والتكوين والنضال. لكي تكون النقابة العمالية أداة نضال لصالح الأجراء يجب أن تتخلص من تأثيرات أحزاب البورجوازية السياسية والثقافية… يجب أن تكون النقابة مشتلا للديمقراطية العمالية، مواطن واحد صوت واحد، و كل أدوات الإنتاج الكبير والموارد الحيوية يجب أن تصبح ملكا عاما يدار وفق مصلحة الجماعة.
جلي أن التقسيم الفئوي هو انتكاسة للنضال النقابي، وخاصة إذا لم يندرج في خطة قد تكون خطوة للوراء من أجل خطوتين للأمام. إن ما لم تنجزه الطبقة العاملة وهي موحدة لن تنجزه بأي شكل وهي مشتتة. القطع مع سياسة الشراكة الاجتماعية مع أرباب العمل، والدفاع عن الاستقلال السياسي والتنظيمي للمنظمات العمالية عن الدولة و البورجوازية هو الضمانة ضد انحطاط التنظيمات العمالية.
منذ سنوات، عقب كل فاتح ماي، يوم الإضراب العمالي العالمي، الذي يخلد فيه العمال و الكادحون عبر العالم تاريخا طويلا من التضحيات والمعارك المشتركة، وتتجدد فيه قيم التضامن و الوحدة بين مختلف فئات الشغيلة مهما اختلفت قطاعاتها، تحتفل الصحافة البورجوازية بهزالة عدد المشاركين فيه، وتعتبر ذلك قبولا ضمنيا للشغيلة بما يمارس ضدها من قهر واستغلال وأن ظروف عيش الأجراء ليست سيئة. بينما لا تسائل القيادات البيروقراطية النقابية نفسها حول ضعف المشاركة العمالية في مسيرات فاتح ماي. لماذا؟ لأنها قيادات هي أقرب في ممارساتها لمصالح أرباب العمل وتستبطن سياساتهم. وتبرر شراكتها مع أرباب العمل بضعف الانخراط العمالي في النضال النقابي.
لبناء نقابة قوية وذات مصداقية، لا غنى عن حياة داخلية نقابية نشطة على كافة المستويات، من قبيل التكوين في أساسيات سير المجتمع البورجوازي الاقتصادية والسياسية، آليات الاستغلال الرأسمالي، وكيفية إعداد الملف المطلبي، ودراسة التجارب النضالية المحلية والدولية السابقة الفاشل منها والناجح، و تحديد الأولويات النضالية وكيفية إدارة المعارك والإضرابات. وكذا دراسة ومواجه المخاطر التي تحيط بالشغيلة في منشآت الاستغلال الرأسمالي المتنوعة.
طنجة في 15 ماي 2026
علي حموت/ نقابي بالنقابة الوطنية للصحة كدش