الموقع تجريبي

البيروقراطية النقابية: صراع النفوذ وضرورة استعادة الديمقراطية القاعدية

أثارت الواقعة الأخيرة في قطاع التعليم، التي طالت أحد الوجوه البرلمانية والنقابية المتهم بتزوير بطاقات النقابة وتحويل ماليتها، نقاشًا واسعًا في الأوساط النقابية

والسياسية. واندلع صراع في قيادة الاتحاد العام للشغالين انتهى بالاتفاق على عقد مؤتمر استثنائي لتنحية الأمين العام الحالي. ومن المؤكد أن الأمر سيتصاعد مع اقتراب الانتخابات المهنية التي تطلق حمى انتخابية استثنائية وتثير تنافسًا وتجنيدًا لقوى لا تتحرك إلا في هذه المناسبات. وهناك أمثلة عديدة في جلّ أجهزة الاتحادات النقابية.

تُظهر تخلّي الأجهزة القيادية عن أعضاء نقابيين ونقابيات. غير أن اعتبار هذه الوقائع المتواترة مجرد خلاف تنظيمي أو حادث معزول قراءة سطحية لا تمس جوهر المسألة؛ فهي تكشف في العمق عن منطق اشتغال البيروقراطية النقابية حين تدخل مرحلة الصراع على المواقع والنفوذ.

 

أصل المشكلة في السيطرة البيروقراطية على النقابات

لا ينبغي فهم البيروقراطية النقابية فقط كانحراف أخلاقي أو خلل تنظيمي، بل كنتيجة لمسار تاريخي تتحول فيه الأجهزة النقابية تدريجيًا إلى هياكل قائمة بذاتها. فمع الزمن وتراجع الدينامية النضالية للقواعد، تميل القيادات النقابية إلى التموقع كجهاز مستقل نسبيًا عن القاعدة التي يفترض أنها تمثلها. وهكذا تتحول النقابة شيئًا فشيئًا من أداة لتنظيم نضال الشغيلة إلى جهاز يسعى أولًا إلى الحفاظ على توازناته الخاصة وإعادة إنتاج مواقع النفوذ داخله.

“إن البيروقراطية إذا شريحة اجتماعية لها جذورها داخل الحركة العمالية ومشدودة إليها بآلاف الروابط. وإن وضعها كشريحة لها امتيازات، المستمدة من دورها كممثل للعمال داخل النظام الرأسمالي نفسه، يفسر كون البيروقراطية لها كامل المصلحة في الحفاظ على هذا النظام الذي تعيش في ظله” (1)

في هذا السياق يصبح الدور الأساسي للبيروقراطية إدارة الصراع الاجتماعي بدل الدفع به إلى مداه. فهي تتموضع كوسيط بين الدولة والطبقات الكادحة: تهدئ التوترات حين تتصاعد وتضبط القواعد حين تميل إلى الانفلات. ومن خلال هذا الدور الوسيط تبني البيروقراطية شرعيتها واستمرارها.

غير أن هذه البنية بطبيعتها ليست خالية من التناقضات. فحين تتصلب الأجهزة وتتركز السلطة داخلها، يتحول الصراع تدريجيًا من صراع مع السياسات المعادية لمصالح الشغيلة إلى صراع داخل الجهاز نفسه: صراع حول النفوذ والتمثيلية والتحكم في آليات القرار والتنظيم، بالأساس حول المزايا الخاصة والمنافع المادية التي يستفيد منها الجهاز النقابي. وتخفت أحيانًا التوترات عبر تقاسم الامتيازات، وتشتعل عند الخلاف، وغالبًا ما تنتهي بتنحية البعض.

الواقعة الأخيرة تفهم في هذا الإطار بالضبط. فالشخص الذي وجد نفسه في قلب العاصفة لم يكن، إلى وقت قريب، خارج منطق البيروقراطية أو في مواجهة معها؛ بل كان جزءًا من توازناتها وآليات اشتغالها. لكن الجهاز البيروقراطي، عندما يدخل مرحلة إعادة ترتيب داخلي أو إعادة توزيع للمواقع، قد ينقلب حتى على بعض مكوناته التي ساهمت في خدمته.

إنها مفارقة معروفة في تاريخ التنظيمات البيروقراطية: يتخلص الجهاز من أحد أعضائه عندما يصبح وجوده غير منسجم مع التوازنات الجديدة أو مصدر ضرر لا يمكن تحمّله. ولا يتعلق الأمر بالضرورة بخلاف سياسي جذري أو بتباين في البرامج، بل غالبًا بصراع حول المواقع داخل البنية نفسها.

يمكن تفسير ذلك بما يسميه بعض المنظرين “منطق إعادة إنتاج الجهاز لذاته”. فكل جهاز بيروقراطي يسعى أولًا إلى الحفاظ على استقراره الداخلي واستمرار سلطته. وكل عنصر قد يخلّ بهذا الاستقرار ، سواء بسبب طموحه التنظيمي أو بتغير التحالفات أو الإخلال بالتوازنات ،يصبح قابلاً للإقصاء أو العزل أو التشهير.

 

علاج داء تفكك المنظمات في إعمال الديمقراطية النقابية

إن الاقتصار على إبراز الجانب التنظيمي من القضية يبقى مضللاً. فمثل هذه الوقائع تندرج ضمن أعراض أزمة أعمق تعانيها الحركة النقابية. حين تضعف المبادرة القاعدية ويتراجع الزخم النضالي، يتسع المجال أمام الأجهزة لتتحول إلى مركز الثقل داخل التنظيم، وحينها يستبدل الصراع داخل الجهاز بالصراع الاجتماعي الذي يتوجب على النقابة خوضه لمواجهة السياسات التي تمس مصالح الشغيلة.

الدرس المستخلص من هذه الوقائع لا يتعلق بالأفراد بقدر ما يتعلق بالبنية نفسها. طالما ظلّت النقابات تحكمها منطق الأجهزة المغلقة وثقافة تدبير التوازنات التي تُعلي مصلحة الجهاز المتحكم على حساب بناء القوة النضالية، فإن هذه الصراعات ستتكرر.

لا يُتجاوز هذا الوضع بتبديل الوجوه داخل الأجهزة، بل بإعادة الاعتبار للديمقراطية القاعدية وللدور الكفاحي للنقابة: نقابة تستمد شرعيتها من قواعدها، تُخضع قيادتها للمساءلة، وتُعيد ربط العمل النقابي بمهمته الأصلية، أي تنظيم نضال الشغيلة لمواجهة السياسات التي تمس مصالحها. عندها فقط يمكن أن تتحول النقابة من جهاز بيروقراطي محصور بالذات إلى قوة تنظيمية قادرة على الدفاع عن مصالح الشغيلة بفاعلية.

قد يبدو هذا الكلام منفصلاً عن واقع الحركة النقابية المغربية اليوم، التي بلغ ضعفها وخفوتها واستفحال تصحرها الداخلي مستوى بالغ الخطورة، وأضحت منظمات نقابية تُشبه هياكل خالية من دينامية النضال العمالي حتى بمقاييس العقود الماضية. ومع ذلك، فإن اضطرار العمال لمواجهة سياسات البورجوازية التي تعزلهم، وقوانين سوق العمل التي تُقربهم من حالة العبودية، وضرورة تفادي التنافس على فرص العمل، يجعل من التنظيم النقابي ضرورة لا غنى عنها مهما بلغ ذلك الضعف الراهن. وعليه، فإن على النقابيين والنقابيات الأكثر وعيًا أن يناضلوا داخل هذه المنظمات لاستعادتها من قبضة الجهاز البيروقراطي باعتبارها أداة مركزية للنضال العمالي ، وهي مهمة شاقة لكنها حتمية لكل من يؤمن بالكفاح ضد الاستغلال والاضطهاد الرأسمالي.

(1)- العمل النقابي الكفاحي والحزب الثوري   أندري هنري

 

بقلم: تيليلا

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟