الموقع تجريبي

مونديال 2030: حين تُستعمل الكرة لتجميل وجه الاستبداد

تُقدم استضافة المغرب لكأس العالم 2030 رسميًا كإنجاز تاريخي واعتراف عالمي بمكانة البلاد. لكن خلف هذه الواجهة الاستعراضية تتكشف مؤشرات تُعري الوجه الحقيقي للنظام. من التضييق على الحريات، إلى هدم الأحياء الشعبية وتشريد الأسر، ونهب المال العام، ينكشف استعمال الرياضة ليس كنشاط شعبي أو ترفيهي، بل أداة إيديولوجية لتزيين الاستبداد.

 

كأس العالم يكشف حقيقة من يحكم فعليًا

يكشف تدبير ملف كأس العالم 2030، مرة أخرى عن حقيقة النظام السياسي القائم ببلادنا. فبعيدًا عن الشعارات الرسمية حول “المسار الديمقراطي” و“دولة المؤسسات”، جاء الإعلان عن استضافة هذا الحدث العالمي ليؤكد أن القرار السياسي والاقتصادي الفعلي يبقى حكرًا على المؤسسة الملكية التي تعطي التوجيهات للحكومة والمؤسسات، بعيدا عن أي نقاش عمومي حول جدوى هذا التنظيم.

إن قرارات بهذا الحجم، وما يترتب عنها من التزامات مالية واستراتيجية، لا يمكن أن تُتخذ في بلدان تحترم إرادة شعوبها خارج النقاش العام والمؤسسات “التمثيلية”. لكننا في المغرب، نعرف جميعا دور البرلمان ك“غرفة تسجيل”، والحكومة ك “جهاز واجهة”.

لا شك أن تنظيم كأس العالم يُعتبر حدثًا رياضيًا ضخمًا، تتجه إليه أنظار الملايين عبر العالم. لكنه في الوقت ذاته ملف اقتصادي واستثماري هائل، يرتبط بالبنيات التحتية، وبالميزانيات الضخمة، وبالتزامات تمتد لعقود، تُضَخ فيه مليارات الدراهم من المال العام، كما يتبين من حجم المشاريع المعلنة:

البنية الرياضية:

  • بناء ملعب الحسن الثاني ببنسليمان بطاقة 115 ألف مقعد، بغلاف مالي يناهز 5 مليارات درهم[1].
     
  • إعادة تهيئة ملاعب : الدار البيضاء، والرباط، ومراكش، وأكادير، وطنجة، وفاس، بميزانية أولية تبلغ 9.5 مليارات درهم، مع تخصيص 5 إلى 6 مليارات درهم إضافية لتلبية معايير الفيفا.[2]

النقل:

  • تمديد شبكة القطارات فائقة السرعة لربط مدن الدار البيضاء ومراكش وأكادير في 2030[3].
  • اقتناء 168 قطارًا جديدًا استعدادًا للمونديال بغلاف مالي يبلغ 29 مليار درهم.[4]

المطارات:

  • رفع الطاقة الاستيعابية من 34 مليون مسافر إلى 80 مليون مسافر سنويًا باستثمار إجمالي يناهز 25 مليار درهم[5].
  • اشغال توسعة مطارات محمد الخامس، مراكش، فاس، طنجة، وأكادير.

البنية الحضرية والفندقية:

  • مشاريع فنادق جديدة، تحديث النقل الحضري، وتهيئة الفضاءات الحضرية لاستقبال الجماهير.

تُقدَّم هذه الاستثمارات ك “قفزة نوعية” في صورة المغرب الخارجية، لكنها في الواقع تبرز التناقض الصارخ مع الوضع الاجتماعي الداخلي:

  • الفقر المتعدد الأبعاد بلغ 6.8% على المستوى الوطني سنة 2024، ويرتفع إلى 9.8% في جهات مثل بني ملال-خنيفرة[6].
  • البطالة وصلت إلى 13.3% في 2024، وترتفع بشكل مهول بين الشباب إلى 36.7%؛ وبين النساء إلى نحو 19-20%[7].
  • ماتزال نسبة الأمية عند 24.8% (وتتجاوز 38% في القرى)[8].
  • الخدمات العمومية (تعليم، صحة، نقل) تعاني من خصاص مزمن واختلالات هيكلية.

إن ضخ عشرات المليارات في ملاعب ومطارات فائقة الحداثة، بينما ملايين المواطنات والمواطنين يفتقرون إلى مدرسة عمومية جيدة، أو مستشفى مجهز، أو شغل لائق، يكشف طبيعة “النموذج التنموي” القائم على التفاوتات الطبقية والمجالية.

لسنا ضد كرة القدم… بل ضد استغلالها

من الضروري التأكيد على أن موقفنا لا يعادي كرة القدم أو الرياضة عمومًا. فهذه الأخيرة تُعدّ حقًا شعبيًا وجماعيًا، ومجالًا واسعًا للفرح والإبداع والتعبير، وهي تُشكّل متنفسًا حقيقيًا لملايين الناس. نحن نُدرك تمامًا مكانة الرياضة في المجتمعات وقدرتها على توحيد الناس وتخفيف المعاناة اليومية.

يتوجه اعتراضنا إلى استغلال الرياضة لأهداف سياسية واقتصادية، وتحويلها إلى غطاء لتبرير تدهور الخدمات الأساسية، والتغطية على النهب الممنهج للثروات.

ليست المشكلة في كرة القدم، بل في توظيفها كأداة هيمنة أيديولوجية تُخفي وراءها واقعًا مؤلمًا: مستشفيات متهالكة، ومدارس عمومية مكتظة تفتقد إلى أدنى شروط التعليم الجيد، وبطالة جماهيرية.

يراهن النظام على جعل كأس العالم أداة لترويج الشعارات الوطنية وتوجيه الاهتمام نحو الفرجة، في الوقت الذي يواصل فيه ضرب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومصادرة الحريات.

“الوطنية” و”التنمية” كخطاب أيديولوجي

في الخطاب الرسمي، يُقدَّم «المونديال» كرمز للوطنية، في محاولة لربط الانتماء الوطني بالحدث الرياضي، بما يؤدي إلى كتم أي نقاش حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. تتحوّل الوطنية هنا إلى أداة لإسكات الأصوات المطالِبة بالحقوق؛ فمن يشتكي من غلاء المعيشة أو من تهديم مسكنه يُتهم بـ «تشويه صورة البلاد» والعمالة” لأعداء الوطن”. أما التنمية، فتُختزل في مشاريع بنى تحتية كالملاعب والطرق، في تغييب تام لاحتياجات الفئات الشعبية من صحة وتعليم وشغل. إنها وطنية من هم في الأعلى، وتنمية تخدم أصحاب رؤوس الأموال.

يُروَّج للمونديال كفرصة اقتصادية، لكنه في العمق يُوظَّف كأداة سياسية لتعزيز السلطة القائمة. إنه لحظة يُعاد فيها تشكيل المجال العام وضبطه: مدن تُصمَّم للعرض والسياحة، تُفرَّغ من الفقراء والمحتجّين، وتُحاط بأجهزة أمنية كثيفة. تُعاد صياغة العلاقة بين الدولة والشعب من خلال الرياضة؛ حيث تتحوّل الجماهير من قوة اجتماعية قادرة على الاحتجاج إلى جمهور متفرّج، يُصفّق تحت راية العلم الوطني بينما تُسلَب حقوقه وتُنهب ثرواته.

أن المطلوب اليوم هو طرح الأسئلة حول هذه الأوراش التي تزيد من المديونية ومن عجز الميزانية العمومية، في الوقت الذي تعجز فيه الدولة عن ضمان الحقوق الأساسية لفئات واسعة من شعبنا. هذا ما كشفت عنه النضالات الأخيرة لشباب جيل “زيد”، والنساء في المناطق المهمشة، وضحايا زلزال الحوز.

التاريخ لا يُصنع في الملاعب فقط… بل في الشوارع أيضًا، حين يقرر الناس ألا يصفقوا للصورة، بل يطالبوا بتغيير الواقع.

 

بقلم: ياسمين


إحالات ومراجع:

[1] شركة الدار البيضاء للتهيئة (Casa Invest)، مشروع الملعب الكبير الحسن الثاني ببنسليمان.

[2] الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، اتفاقية الشراكة بين الحكومة وصندوق الإيداع والتدبير والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بشأن تأهيل الملاعب.

[3] المكتب الوطني للسكك الحديدية (ONCF)، استراتيجية السكك الحديدية بالمغرب في أفق 2040.

[4]  المكتب الوطني للسكك الحديدية (ONCF)، إعلان طلب عروض لاقتناء قطارات جديدة وتطوير الصناعة السككية.

[5] وزارة النقل واللوجستيك، بروتوكول اتفاق لتطوير المطارات للفترة 2025–2030..

[6] المندوبية السامية للتخطيط، تركيب: خريطة الفقر متعدد الأبعاد والديناميات الترابية (2025).

[7] المندوبية السامية للتخطيط، معدل البطالة السنوي حسب الوسط.

[8] المندوبية السامية للتخطيط، نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024 – لوحة البيانات التفاعلية.

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟