نطقت محكمة الدار البيضاء في حق مجموعة من معتقلي جيل زد أحكاما قضائية تبدو أخف من صك الاتهام الخطير، وبالنظر للأحكام القاسية التي صدرت بحق معتقلين في عدة مدن في الشهور الماضية، بناءً على اتهامات تفتقد إلى سند الحجية كما جاء في تقارير منظمات حقوقية.
لجأت الدولة إلى حملات تشهير وتشكيك ضد نضال شبابي سلمي، ثم إلى جرعات من القمع المحدود، لكنه لم يحد من اتساع وتمدد الدينامية الشبابية، في وقت كانت جهود الدولة مركزة على تنظيم بطولة كأس أمم إفريقيا لكرة القدم التي راهنت كثيرا عليها كمنصة لإشهار المغرب وتقديمه قوة صاعدة قاريا.
غيرت الدولة تكتيكها وقررت الإنهاء السريع للحراك الشبابي وعدم منحه وقتًا إضافيا ، واتخاذ إجراءات بالغة العنف والشراسة، ونزع المصداقية عنه ،وتحريض الرأي العام ضده، وقطع أواصر التضامن معه، والصاقه تهمة ممارسة العنف ضد المصالح العامة وتخريب الممتلكات الخاصة، وتهديد الأفراد، والتحريض على الانفلات العنيف. لا يمكن فهم الأحداث العنيفة المتزامنة في مناطق عديدة، مع التشابه الكبير في طرقها ووسائلها واهدافها، وما حدث من سلوكات عنف خارج هذا الإطار العام.
شنت الدولة حملة قمع شديد أسفرت عن سقوط قتلى،ثلات شبان على الأقل في القليعة، ثم أطلقت موجة اعتقالات لآلاف المعتقلين-ات، وأصدرت مئات مذكرات البحث القضائية، وأصدرت أحكاما قاسية بناءً على ملفات مطعون فيها، وانتهاكات عديدة لحقوق المعتقلين، كما رصدتها تقارير حقوقية. كان هدف الدولة الردع العام والصدم الجماعي، ودفع الدينامية الى الاختفاء، ووأد اي علامات تضامن معها وضد مسلسل قمعها.
بعد نهاية بطولة كأس أمم افريقيا، بدأت الدولة تخفيف قبضتها وإرخاء خناقها، بإطلاق عدد من المعتقلين وإصدار أحكام أقل قسوة في حق عدد من المتابعين، وتدخل اخر الأحكام الصادرة أمس في ما سمي بملف “الاوتوروت” استمرارًا لذلك. لكن لازال هناك معتقلون في السجون على خلفية حراك جيل زد، ومازال ملف القتل بالرصاص في حق شباب القليعة عرضة للصمت، أمام مطالب الأسر المصرة على كشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات والإنصاف.
يبقى السؤال الجوهري: ما سبب لجوء الدولة في مواجهة كل نضال شعبي صاعد بارتكاب انتهاكات سافرة للحريات الديمقراطية؟ ،ولما ترتكب خروقات واسعة لحرية الافراد وسلامتهم دون أن يترتب عن ذلك أي تبعات قانونية أو سياسية؟.
ان الدولة أظهرت في تعاملها مع نضالات جيل زد حقيقة يعرفها كل شاب له حد أدنى من الوعي السياسي، وأبانت عن واقع خبره كل مناضل ة نقابي أو جمعوي أو اعلامي، وأعطت الدليل أننا شعب لا ينعم بالحريات الديمقراطية وأنه يرزح تحت سلطة دولة لا تعترف لا بحقوق وتدوس قانونها نفسه، وأنها- الدولة- وضعت خطوطا حمراء لا تسمح بتخطيها،و كل نضال شعبي أو معارضة مستقلة عرضة للخنق والقمع الصريح، أما الحقوق المعلنة في النصوص القانونية فواقع القمع اصدق إنباءَ مما تدعيه.
يؤكد درس حراك جيل زد أن المعركة لأجل تحرر شعبنا وانتزاع الحريات الديمقراطية واجتثاث الفساد العام لازالت على جدول مهامنا، وأن التضحيات التي قدمها شرفاء الوطن، رغم جسامتها، لم تحرر شعبنا من قبضة الاستبداد وأدوات الفساد، وهذه هي البطولة التاريخية التي على شعبنا الانتصار فيها.
بقلم: طارق الزيتوني